مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: أين ذهب يهود خيبر؟

تتجاوز قصة يهود خيبر حدود الواحة الخصيبة شمال المدينة المنورة، لترسم لوحة معقدة عن التعايش، الصراع، والتاريخ المشترك في شبه الجزيرة العربية.

فبعد فتح خيبر في السنة السابعة للهجرة، بدأت رحلة طويلة ليهودها، محملة بتساؤلات تاريخية إلى أين اتجهوا؟

وكيف شكلت رحلتهم خارطة جديدة لوجودهم في المنطقة والعالم؟

فقد كانت خيبر قبل الفتح مجتمع مزدهر في قلب الصحراء كانت خيبر قبل الفتح الإسلامي مجتمعاً زراعياً وتجارياً مزدهراً، يعتمد على نظام القلاع والحصون ومهارات متقدمة في الزراعة وري الواحات.

تشير الدلائل إلى أن يهود خيبر لم يكونوا مجموعة واحدة، بل تحالفاً من قبائل وعشائر يهودية شكلت كياناً سياسياً واقتصادياً قوياً، استفاد من موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة .

مع فتح خيبر بقيادة النبي محمد ﷺ، تم وضع شروط عرفت بـ”صلح خيبر”، والتي سمحت لليهود بالبقاء والعمل في أراضيهم مقابل نصف إنتاجهم الزراعي.

لكن التوترات اللاحقة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أدت إلى قرار تاريخي بإخراجهم.

القرار لم يكن مجرد طرد عشوائي، بل كان جزءاً من سياسة أمنية لمنطقة الحجاز، لضمان استقرارها الديني والسياسي بعد أن أصبحت قلب العالم الإسلامي .

تشير المصادر التاريخية إلى أن يهود خيبر اتخذوا عدة مسارات بعد رحيلهم الي الشمال نحو الشام ووادي القرى
اتجهت مجموعة كبيرة شمالاً إلى وادي القرى (منطقة العلا الحديثة والحجر) والتي كانت تضم تجمعات يهودية أخرى.

ثم استمرت هجرات لاحقة نحو الشام، وخاصة منطقة أذرعات (درعا الحديثة في سوريا).

نحو العراق وفارس اختارت مجموعات أخرى الاتجاه شرقاً نحو العراق، حيث كانت هناك تجمعات يهودية كبيرة في المناطق الحضرية مثل بغداد والبصرة، واندمجوا في مجتمعات اليهود البابليين الذين شكلوا لاحقاً النواة الثقافية لليهودية الربانية.

نحو اليمن وتهامة تشير بعض الروايات إلى هجرة مجموعات أصغر جنوباً نحو اليمن حيث كانت توجد تجمعات يهودية قديمة، أو نحو تهامة على ساحل البحر الأحمر.

نحو الحبشة ومصر ربما تكون مجموعات محدودة عبرت البحر الأحمر نحو الحبشة (إثيوبيا) حيث كانت توجد جالية يهودية (الفلاشا)، أو نحو مصر التي كان فيها تجمع يهودي قديم.

لم يكن رحيل يهود خيبر نهاية وجودهم كمجموعة متميزة فهناك أدلة على أن بعض أحفاد يهود خيبر حافظوا على هويتهم المنفصلة لقرون، وخاصة في العراق، حيث عرفوا بـ’الخيبريين’ كمجموعة ضمن التنوع اليهودي”.

لكن مع مرور القرون، اندمج معظمهم في المجتمعات اليهودية الأكبر في الشتات، وفقدوا تميزهم العرقي.

وتشير بعض المخطوطات والوثائق التاريخية تذكر عائلات تحمل اسم ‘الخيبري’ في مجتمعات يهودية مختلفة، لكنها تختفي تدريجياً من السجلات بعد القرن الحادي عشر الميلادي تقريباً .

الرواية الشفوية والذاكرة الجماعية فبرغم انقطاع السجل التاريخي المادي، حافظت بعض المجتمعات اليهودية على ذكرى أصلها الخيبري كجزء من هويتها.

ففي طقوس بعض العائلات اليهودية من أصل عراقي أو سوري، توجد إشارات شفوية إلى ‘أصلنا من خيبر’، كعلامة على القدم والنبل”.

خيبر في السياق المعاصر البحث عن الجذور ففي العقود الأخيرة، ظهر اهتمام أكاديمي وبعض الاهتمام الشعبي من قبل يهود يعتقدون بأصل خيبري.

يؤكد المؤرخ الإسرائيلي البروفيسور مناحيم ميلسون: “هناك أبحاث جينية حاولت تتبع الأصول، لكنها لم تصل إلى نتائج حاسمة.

الأهم هو أن قصة يهود خيبر تذكرنا بأن تاريخ اليهود في المنطقة أعمق وأكثر تعقيداً من الرواية الصهيونية المبسطة”.

قصة يهود خيبر ليست مجرد حدث تاريخي انتهى، بل هي فصل في كتاب العلاقات بين الإسلام واليهودية في شبه الجزيرة العربية.

إنها قصة عن مجتمع ازدهر، واتخذ قرارات مصيرية، وانتشر في أصقاع الأرض.

“السؤال ليس فقط ‘أين ذهب يهود خيبر؟

بل ‘ماذا تركوا وراءهم؟’.

لقد تركوا إرثاً معمارياً في قلاعهم، وإرثاً زراعياً في نظم الري، وإرثاً تاريخياً في سجلات التعايش والصراع الذي يشكل جزءاً من تاريخنا المشترك”.

ويجب ان نفرق بين اليهودية كديانه سماويه وأتباعها
وبين الصهيونية وأتباعها

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى