شباك نورمقالات وآراء

د. أيمن نور يكتب: بعد ساعات.. من جراحة بالعين.. وحادث سير ..أكتب الإهداء رقم 500

د. أيمن نور –

كتبتُ للآن.. 499 إهداءً على بطن غلاف كتابي الأخير.. {أوراق من مذكّراتي}. قليلٌ منهم وصل لمن أهديتُ لهم الكتاب، والأكثر لم يصل بعد..

الإهداء رقم 500 لن تتسع له الصفحة البيضاء المخصّصة للإهداء، فقررتُ أن أسجّله هنا، فهو ليس إهداءً عابرًا، ولا رقمًا في تسلسل، بل شهادة لحظة حين يقترب الجسد من هشاشته، ويكتشف القلب أن بعض الكلمات إن لم تُكتب الآن قد لا تُكتب أبدًا.

كتبته بعد أن لامس الخطر بصري، وتعثّر العمر على قارعة الطريق، ففهمتُ أن الإهداء ليس مجاملة على الغلاف، بل توقيع روح تُراجع حسابها مع الحياة. كتبته من بين وجعين، وجع الجسد، ووجع وطنٍ لا يبرأ، ومن بين خوفٍ ورجاءٍ وحكمةٍ تقول: ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يحين وقته الآن.

هذا الإهداء لا يُرسل بعنوان، ولا يُهدى لشخص، بل يُكتب لوطن يسكن في القلب حتى وهو بعيد، ويُكتب من منفى لم يُطفئ الانتماء، بل صقله، وجعله أكثر صدقًا وأقل ضجيجًا.

إهداء.. لمصر كتبتُ إليكِ يا بلدي من حافة الغربة، وفي ختام الرحلة، كمن يطوي رسائله في زجاجةٍ ويُلقيها في بحرٍ لا يعرف إلى أين تذهب، ولا متى تعود. كتبتُ إليكِ لا وداعًا، ولا رجوعًا، بل بين وداعٍ مؤجَّلٍ وعودةٍ لا أنتظرها، كتبتُ إليكِ لأن الكتابة آخر ما تبقّى لي من الوطن.

كتبتُ إليكِ لأن الحنين لا يُشفى، ولأن المسافة ليست سوى امتحانٍ للحب، فإما أن يُرهقنا، وإما أن يثبت أنه أقوى من البعد والوقت. كتبتُ إليكِ لا تصالحًا، ولا اعتذارًا، بل مقاومةً تحتمي بالورق من قسوة المتغلّب، وتحتمي منكِ أحيانًا… بكِ أنتِ.

بعض هذه الأوراق أسقطه عمدًا، وبعضها تأجّل نشره لحكمةٍ لا تُقال، لأن في بعض الصمت صدقًا، وفي بعض التأجيل رحمة. ليست كل الحروف خائنة إذا تأخرت، ولا كل السكوت ضعفًا إن كان في موضع الحياء.

كتبتُ إليكِ يا مصر، كما يكتب العاشقُ رسالةً إلى من هجَرَته، يضعها تحت الوسادة، ويعلم أنها لن تصل، لكنه يكتبها لأن الكتابة وحدها تمنحه عذرًا للبقاء على قيد الحلم، والحب، والحياة.

كتبتُ إليكِ لأنني أدركتُ أن المنفى ليس حدودًا ولا مطارات، بل حالةُ يقظةٍ طويلةٍ في قلبٍ لا ينام. المنفى أن أراكِ في المنام، وأخاف أن أستيقظ في غيابكِ.

يا مصر… ما بيني وبينكِ وجعٌ جميل، كلما نزفَ أكثر ازداد صفاءً، وكلما حاولوا طمسه عاد يتلألأ كضوءٍ صغيرٍ في آخر النفق. نعم، أحببتكِ رغم القسوة، كما يحبّ الطفلُ أمَّه التي تضربه ثم تبكي عليه في الخفاء.

أكتبُ إليكِ هذا الإهداء بعد ساعات من حادث كاد أن يزهق حياتي، وبعد أيام من جراحة لإنقاذ بصري. أكتب إليكِ كمن يكتب بيدٍ مرتجفة، ليخفي وراء الحروف قلبًا يرتجف حبًّا وخوفًا عليكِ.

ما أصعب أن أكتب عن وطنٍ هو الجرح والدواء في آنٍ واحد، هو السجن والملجأ، هو المذنب والضحية في لحظةٍ واحدة.

ربما تكون هذه السطور وداعًا، وربما بداية صفحةٍ جديدةٍ من أوراقٍ لم تُكتب بعد، أوراقٍ تنتظر لحظة الصدق، حين يسكت الضجيج، ويصبح للكلمة مكانٌ آمنٌ.

بين المكتوم والمكتوب تسكن حكاياتي كلها، تسكن المسافة بيني وبينكِ، حيث لا نلتقي ولا نفترق، لكننا نُحبّ رغم المسافات.

يا مصر… أنتِ الوجع الذي لا يُشفى، والحبُّ الذي لا يُطفأ، والوطن الذي لا يُختصر في نشيدٍ ولا عَلَم، بل في نبضةِ قلبٍ.

كتبتُ إليكِ لأن الغربة لم تُطفئ انتمائي، بل جعلته أكثر صدقًا، وأهدأ لهجةً، وأعمق جرحًا. فما أقسى أن نعيش بعيدين، وما أجمل أن نبقى قريبين رغم البعد.

ما زلتِ يا مصر.. الحلمَ حتى لو تعثّر الحالمون. ما زلتِ.. الأمَّ التي لا تغيب، وإن غيّبها الموت. ما زلتِ القصيدةَ.. ولو لم تكتمل، والأغنيةَ.. ولو لم تنتهِ، والسؤالَ الملغز الذي لا يحتاج جوابًا.

هذا الإهداء.. لكِ، وعنكِ، وحدكِ… يا وطني الجميل الذي لم أفارقه إلا جسدًا، ويا حبّي الأول، والأبقى، والأصدق. كتبتُ في هذا الكتاب عنّي، لكنني كنت أكتب إليكِ، لا شكرًا ولا عتابًا، بل عهدًا… أن أظل أكتب إليكِ كما أنتِ: وجعًا يُنبت الأمل، وأملًا لا يموت مهما اشتدّ الوجع.

إذا متُّ في المنفى وكانت هذه السطور آخر ما أكتب، فلتكن سلامًا إليكِ، وقبلةً على جبينكِ البعيد، وعهدًا أنني، ما حييتُ، سأظل أراكِ كما أراكِ الآن… أمًّا من نارٍ ونور، تضحك كي لا نبكي، وتبكي كي لا تموت.

د. أيمن نور
إسطنبول
الخميس 18 ديسمبر

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى