د. أيمن نور يكتب: رسالتي الثانية إلى البرلمان . محضر الجلسة السرية . رئيس الوزراء اغتيل في البرلمان بسبب قرار الحرب

بعض القرارات تصنع التاريخ، وبعض المناقشات تمنع التاريخ من تكرار أخطائه. وبين صناعة القرار ومنع الخطأ، تقع المسؤولية الحقيقية للبرلمان. ولهذا أكتب رسالتي الثانية اليوم، الاثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦، استكمالًا لرسالتي الأولى التي نشرتها بالأمس قبل انعقاد الجلسة الطارئة لمجلس النواب، التي خُصصت لبحث تفويض إرسال قوات مصرية خارج الحدود دفاعًا عن المملكة العربية السعودية الشقيقة.
ما حدث أمس، الأحد ١٨ أكتوبر، يستحق قراءة متأنية. فمنذ الموعد المحدد لانعقاد المجلس عند الواحدة ظهرًا، وحتى انتهاء الجلسة بعد قرابة ثلاث ساعات، جرت مناقشات لم تنتهِ إلى الموافقة الفورية التي توقعها كثيرون. وبدلًا من حسم القرار في جلسة واحدة، امتدت المناقشات إلى اليوم وربما غدًا. وهذا التطور، بصرف النظر عن النتيجة النهائية، يستحق التقدير، لأن البرلمان الذي يطلب أن يعرف قبل أن يقرر يمارس أصلًا من أصول وظيفته الدستورية، لا ترفًا يمكن الاستغناء عنه.
كنت قد طالبت في رسالتي الأولى بأن يعرف النواب، قبل منح أي تفويض، طبيعة المهمة العسكرية المقترحة، وأساسها القانوني، وحدودها الجغرافية، ومدتها الزمنية، وحجم المشاركة المصرية، وتقدير المخاطر والتكاليف، وأثرها المحتمل على أمن البحر الأحمر وقناة السويس، وحدود الانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وآليات الرقابة على التنفيذ، ومتى وكيف تعود السلطة التنفيذية إلى البرلمان إذا تغير نطاق المهمة. ولم أطلب يومًا كشف أسرار العمليات العسكرية للرأي العام، وإنما طلبت أن يعرف ممثلو الشعب، في جلساتهم السرية، ما يكفي ليتحملوا مسؤولية قرارهم.
وأحسب أن ما تسرب من أجواء النقاش، دون أن تكون لدينا مضبطة رسمية منشورة لما دار، يكشف أن عددًا من النواب طرحوا أسئلة قريبة من هذه الاستحقاقات. وقد استوقفني موقف زميل العمر والصديق العزيز النائب محمد_عبد_العليم_داود، رئيس الهيئة البرلمانية لـحزب_الوفد، الذي تحفظ على الموافقة قبل استيضاح التفاصيل. ولم أكن أتمنى أن أقرأ، مساء الأحد نفسه، بيانًا رسميًا من قيادة الوفد برئاسة الدكتور السيد_البدوي يؤيد التفويض، في مقابل موقف رئيس هيئته البرلمانية. وأتمنى أن يجري حوار حزبي مسؤول يزيل هذا التباين، أو يوضح حدوده، احترامًا لمكانة حزب عريق علّم أجيالًا أن المؤسسة أكبر من الأشخاص، وأن الرأي لا تصنعه العجلة.
وأتابع باهتمام موقف الحزب_المصري_الديمقراطي_الاجتماعي، برئاسة الزميل القديم فريد_زهران، الذي أعلن مكتبه السياسي موقفًا واضحًا بشأن الامتناع عن الموافقة في الظروف المعروضة، وعبّر عنه تحت القبة النائب محمود_سامي_الإمام. كما ورد اسم النائب ضياء_الدين_داود ضمن النواب الذين تحفظوا. وأتطلع كذلك إلى متابعة المواقف المعلنة لـحزب_التجمع_الوطني_التقدمي_الوحدوي برئاسة الزميل سيد_عبد_العال، وسائر الكتل النيابية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة على ما لم يُعلن من مواقفها.
وهنا تفرض المادة ١٥٢ من الدستور تمييزًا لا يجوز إغفاله. فمجلس الدفاع الوطني أبدى، في اجتماعه صباح الأحد، التضامن الكامل مع السعودية والاستعداد لتقديم الدعم اللازم والممكن، وهو موقف سياسي واستراتيجي بالغ الأهمية. لكنه لا يغني دستوريًا عن موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب على إرسال القوات في مهمة قتالية خارج الحدود. مجلس الدفاع الوطني يُؤخذ رأيه، أما البرلمان فتُطلب موافقته. والفارق بين الرأي والموافقة ليس اختلافًا في الألفاظ، بل اختلاف في الاختصاص والمسؤولية.
قد يكون ما حدث بالأمس استجابة طبيعية لخطورة الملف وحاجته إلى معلومات إضافية، وقد يراه آخرون علامة على تغير أكثر عمقًا في الممارسة البرلمانية. ولا أريد استعجال الحكم على تجربة لم تكتمل. لكنني أتمنى أن يكون ما شهدناه بداية لاستعادة المعنى الحقيقي للمناقشة البرلمانية. ولعل التاريخ هو الطريق الأصدق لاختبار هذا الأمل. فحين نكون بصدد قرار يتصل بالمستقبل، يصبح واجبًا أن نستدعي الماضي، لا لنسكن فيه، بل لنتعلم ما ينبغي ألا يتكرر منه.
١٩٤٥.. رئيس وزراء يدخل البرلمان طالبًا إعلان الحرب، ويخرج منه قتيلًا
في يوم السبت ٢٤ فبراير ١٩٤٥، دخل الدكتور أحمد_ماهر_باشا مبنى البرلمان المصري في لحظة كانت الحرب العالمية الثانية تقترب فيها من نهايتها. وكانت مصر، رغم ما شهدته أرضها من عمليات عسكرية كبرى، وعلى رأسها معركة العلمين، قد تجنبت إعلان دخولها الرسمي الحرب على دول المحور. لكن الترتيبات الدولية لما بعد الحرب وضعت الحكومة أمام حساب جديد، هو رغبة مصر في المشاركة في مؤتمر سان فرانسيسكو التأسيسي للأمم المتحدة، الذي ارتبطت المشاركة فيه بإعلان الحرب على ألمانيا واليابان قبل أول مارس.
كان أحمد ماهر رجلًا من رجال الحركة الوطنية، عرف الوفد، وعمل إلى جوار سعد_زغلول و#مصطفى_النحاس، قبل أن تقوده الخلافات السياسية إلى تأسيس الهيئة السعدية مع محمود_فهمي_النقراشي ورفاقهما. وكان يعرف البرلمان من الداخل، فقد سبق أن ترأس مجلس النواب، وعرف جيدًا أن القرار الذي يحمله إلى قاعته ليس مجرد رسالة سياسية إلى الخارج، بل خطوة دستورية تستوجب مناقشة ممثلي الأمة، وتحمل تبعاتها أمام التاريخ.
وقف أمام مجلس النواب وشرح حسابات الحكومة. لم تكن مصر تستعد لإرسال جيش لغزو ألمانيا أو اليابان، ولم يكن قرارها مماثلًا لقرار إرسال قوات إلى ميدان قتال بعيد. كان إعلانًا رسميًا للحرب في مرحلة أخيرة من صراع عالمي توشك نتائجه على الحسم، لكنه ظل إعلان حرب بكل ما يحمله اللفظ من معنى قانوني وسياسي. وعُقدت مناقشات سرية، وحصل رئيس الحكومة على تأييد شبه جماعي من النواب، ثم خرج متجهًا إلى مجلس الشيوخ لاستكمال عرض موقف حكومته.
هنا، في المسافة القصيرة بين مجلسين، انتهت حياة رئيس حكومة، ولم ينتهِ السؤال عن الحرب. ففي البهو الفرعوني لمبنى البرلمان، أطلق المحامي الشاب محمود_العيسوي الرصاص على أحمد ماهر فأرداه قتيلًا. كانت جريمة سياسية وقعت في قلب المؤسسة التي يفترض أن تُدار داخلها الخلافات بالكلمات والتصويت، لا بالرصاص. وتذكر المصادر التاريخية أن القاتل علل فعلته بمعارضته إعلان الحرب، بينما اختلفت الروايات اللاحقة بشأن ارتباطاته التنظيمية ودوافع أخرى محتملة للجريمة.
اعتُقل العيسوي، وخضع للمحاكمة، وصدر بحقه حكم بالإعدام في ٢٨ يوليو ١٩٤٥، ونُفذ الحكم في ١٨ سبتمبر من العام نفسه. وتضمنت التحقيقات والروايات التاريخية جدلًا حول علاقته بالحزب الوطني وتأثره بجماعة الإخوان المسلمين، ووردت شهادات لاحقة نسبت إلى الجهاز الخاص للجماعة دورًا في الإعداد للجريمة، في مقابل روايات أخرى نفت المسؤولية التنظيمية المباشرة. ولذلك يظل الفصل واجبًا بين ما ثبت قضائيًا من ارتكاب الجريمة، وما بقي محل خلاف تاريخي بشأن من وقف وراءها.
وفي اليوم نفسه الذي شهد اغتياله، انتقلت رئاسة الحكومة إلى رفيقه القديم محمود فهمي النقراشي. وهكذا انتهت حياة رجل، بينما استمرت الدولة ومؤسساتها في التعامل مع نتائج القرار. إن السلطة قد تفقد صاحبها في لحظة، أما القرار الذي اتخذه فقد يبقى أثره سنوات، وربما أجيالًا.
لا أستعيد هذه المأساة للدفاع عن قرار أحمد ماهر أو للاعتراض عليه بأثر رجعي، بل لأؤكد حقيقة أبسط وأعمق. أن الخلاف حول الحرب يجب أن يبقى في ساحة السياسة، وأن يتحمل البرلمان مسؤوليته كاملة، وألا يختلط الاعتراض على الحاكم بالاعتداء عليه. فالذي يقتل صاحب الرأي لا ينتصر لرأي آخر، بل يغتال حق الأمة في الاختلاف.
١٩٤٨.. حين تكلمت المضبطة السرية، وبقي صوت فؤاد سراج الدين
وبعد ثلاث سنوات، عاد البرلمان المصري إلى مواجهة سؤال أكثر قربًا من وجدان الأمة. هذه المرة لم تكن الحرب في أوروبا، بل على أرض فلسطين، حيث كان الانتداب البريطاني يقترب من نهايته، وكانت العصابات الصهيونية توسع هجماتها، وكانت المجازر والتهجير يضعان المنطقة أمام كارثة تاريخية.
وفي ١٠ مايو ١٩٤٨ شهد مجلس الشيوخ، في دور انعقاده الثالث والعشرين، مضبطته رقم ٣٠، التي توثق الإعداد لمناقشة قضية فلسطين وترتيب عقد جلسة سرية في اليوم التالي. وفي ١١ مايو انعقدت المناقشة التي نُشر نص مطول منها بعد عقود، في مجلة روزاليوسف بتاريخ ١٢ يناير ٢٠٠٩. إننا هنا لا نقرأ انطباعات مؤرخ فحسب، بل نقترب من أصوات رجال جلسوا تحت القبة قبل ثمانية وسبعين عامًا، وتجادلوا حول الدم المصري وحدود الواجب العربي.
ترأس الجلسة الدكتور محمد_حسين_هيكل_باشا، وتحدث رئيس الوزراء محمود_فهمي_النقراشي، وشارك في النقاش عدد من أبرز رجال الحياة السياسية في ذلك الزمن، ومن بينهم إسماعيل_صدقي و#فؤاد_سراج_الدين و#محمد_علي_علوبة. ويكشف النص المنشور أن النقراشي عرض تطور الأزمة، والاتصالات العربية، والمواقف البريطانية والأمريكية، والاحتمالات المرتبطة بانتهاء الانتداب، والاستعدادات التي تطلبها دخول القوات المصرية.
لم يكتفِ النواب والشيوخ يومها بالاستماع إلى بيان عام. سألوا عن حجم الالتزامات المالية، وعن استعداد الجيش، وعن مشاركة الجيوش العربية، وعن احتمالات التدخل البريطاني، وعن أثر العمليات على اقتصاد مصر وأمنها. وتضمن البيان الحكومي الحديث عن اعتماد إضافي قيمته أربعة ملايين جنيه لتغطية متطلبات المهمة. وتلك شهادة لافتة على أن التفاصيل العسكرية والسياسية والمالية لم تكن غريبة عن المناقشة البرلمانية، حتى في زمن الملكية، وحتى حين كانت الجلسة سرية.
إسماعيل صدقي.. صوت التحفظ الذي لم تُسكته الأغلبية
وقف إسماعيل صدقي معترضًا ومحذرًا. كانت له حساباته السياسية وتاريخه المختلف عليه، لكن ذلك لا ينفي أن مداخلته أثارت أسئلة جوهرية عن المخاطر العسكرية والاستعدادات والأعباء الاقتصادية واحتمالات اتساع الصراع. ولم تمنعه معارضته من الحديث أمام المجلس، ولم يُسقط اختلافه مع الأكثرية حقه في طلب الإيضاح. والأكثر دلالة أن هذه الأسئلة وردت في نص المناقشات إلى جانب ردود المؤيدين، دون أن يُلغى أحدهما الآخر.
وكان من الممكن أن تنتهي هذه الجلسة بقرار الأغلبية دون أن نعرف شيئًا عن رأي الأقلية. لكنها تركت لنا ما هو أثمن من النتيجة وحدها، تركت لنا حجج المختلفين. ومن الإنصاف ألا ننظر إلى من عارض الحرب باعتباره أقل حرصًا على فلسطين، كما لا يصح اختزال مؤيديها في مجرد الرغبة في المغامرة العسكرية. إن المسؤولية التاريخية لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بسلامة الحجة وصدق التقدير.
فؤاد سراج الدين.. حين تحدث أبي الروحي عن فلسطين ومصر
وهنا أصل إلى الجزء الأكثر قربًا من قلبي في هذه الوثيقة. فقد وقفت طويلًا عند الكلمات التي قالها فؤاد_سراج_الدين_باشا، ذلك الرجل الذي أتشرف بأنه كان أبي الروحي، وأنني قضيت سبعة عشر عامًا في كنفه، وتحت ظلال زعامته، أتعلم منه معنى الانتماء الوفدي، وصلابة الموقف، وأدب الخلاف، وأن السياسة ليست دائمًا أن تعارض السلطة، بل أن تعرف متى تتفق معها، ومتى تختلف، ولماذا.
أعرف أن شهادة المحبة ليست بديلًا عن شهادة التاريخ، ولهذا لا أريد أن أمنحه صوابًا مطلقًا لمجرد أنه أستاذي وزعيمي. لكنني أجد في مداخلته ما يستحق القراءة، لا لأنه أيد دخول القوات المصرية إلى فلسطين فقط، بل لأنه شرح منطقه، وناقش حجة خصمه، وربط بين أمن مصر وما يجري على حدودها الشرقية.
بدأ فؤاد باشا بإعلان تأييده لموقف حكومة النقراشي، رغم أنها لم تكن حكومة وفدية. ثم انتقل إلى مناقشة اعتراضات إسماعيل صدقي، مستندًا إلى أن الخطر الذي يتشكل في فلسطين لن يتوقف بالضرورة عند حدودها، وأن السماح بتثبيته قد يجعل مواجهته في المستقبل أقرب إلى الأرض المصرية وأكثر كلفة.
وكانت عبارته المحورية، كما يوردها النص المنشور للمناقشات: «وأننا بدفاعنا عن فلسطين إنما ندافع عن مصر نفسها». وقد رأى أن التردد في مواجهة الخطر قبل استقراره قد ينقل ساحة المواجهة يومًا إلى حدود مصر أو داخلها. واختلف مع صدقي في تقدير الأعباء الاقتصادية، ورأى أن احتمالات الخسارة ينبغي مقارنتها بكلفة ترك التهديد يتفاقم دون مواجهة.
لكن الوثيقة تكشف شيئًا آخر لا يقل أهمية عن موقفه السياسي. ففي أثناء عرض النقراشي للمواقف العربية، تدخل فؤاد سراج الدين ليستوضح مسائل مالية مرتبطة بمساهمات الدول، وسأل عن طبيعة الهدنة المقترحة، ثم لفت انتباه رئيس الوزراء إلى أنه أغفل ذكر الجيش السعودي بين القوات العربية. فاستدرك النقراشي وأشار إلى مشاركة سعودية مرتقبة. يا لها من مفارقة تستحق التأمل: في جلسة مصرية سرية عن فلسطين عام ١٩٤٨، كان فؤاد سراج الدين يسأل عن الجيش السعودي، وفي جلسة مصرية سرية عام ٢٠٢٦، يناقش النواب إمكانية مشاركة الجيش المصري في الدفاع عن السعودية.
أعلم، بحكم سنوات طويلة عشتها قريبًا من فؤاد باشا، أن هذا المنطق لم يكن عنده دعوة إلى التهور أو إلى تحويل السياسة الخارجية إلى منافسة في الشعارات. كان الرجل يفهم أن المعارضة الوطنية ليست معارضة لكل حكومة في كل موقف، وأن الاتفاق مع الحكومة لا يمنحها حصانة من السؤال. وقد خالف الحكومة في قضايا كثيرة، لكنه أيدها في قضية فلسطين من موقع اقتناع سياسي عبّر عنه علنًا داخل مجلسه.
وليس معنى ذلك أن التاريخ أثبت صحة كل تقدير ورد في خطابه. فقد كشفت نتائج حرب ١٩٤٨ عن إخفاقات عسكرية وسياسية جسيمة، وعن فجوة بين الآمال والاستعدادات، وعن حدود القدرة العربية على إدارة حرب مشتركة. وقراءة تلك النتائج اليوم جزء من الوفاء لمن قاتلوا، وليست انتقاصًا من تضحياتهم. فالإنصاف التاريخي يقتضي أن نحترم دوافع المؤيدين، وأن نراجع حساباتهم، وأن ننصت إلى تحذيرات المعارضين كذلك.
١٩٥١.. المعاهدة التي جعلت الدفاع العربي التزامًا مشتركًا
ولم ينتهِ المسار عند حرب فلسطين. ففي السابع عشر من يونيو ١٩٥٠ وقعت الدول العربية معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، ووافقت عليها مصر بالقانون رقم ١٢٢ لسنة ١٩٥١، الصادر في الثامن من أغسطس. لقد كانت محاولة لتحويل التضامن العربي من شعور سياسي إلى التزام قانوني منظم.
لكنها تركت سؤالًا لا يزال مطروحًا. هل تكفي الموافقة على معاهدة دفاع جماعي لإرسال الجيش إلى كل حرب لاحقة دون رقابة وطنية مستقلة؟ أرى أن الإجابة ينبغي أن تستند إلى النصوص الدستورية المعمول بها وقت اتخاذ كل قرار، لا إلى التوسع في تفسير التزامات المعاهدة بما يجعل البرلمان غائبًا عن تنفيذها.
فالمعاهدة تنشئ الالتزام بين الدول، أما الإذن بالمهمة القتالية فيحدد مسؤولية الدولة أمام شعبها. والتضامن العربي، حين تحميه المؤسسات، يكون أكثر رسوخًا من تضامن يتوقف على إرادة حاكم أو على ظروف عابرة.
لماذا أتذكر كل هذا اليوم؟
أتذكره لأنني أعرف البرلمان من أكثر من باب. عرفته صحفيًا يتابع أعماله ومناقشاته قبل أن أصبح نائبًا، وعرفته نائبًا تحت قبته على امتداد تجربة سياسية وبرلمانية قاربت خمسة عشر عامًا، وعرفته أيضًا من بيت انشغل بالتشريع والحياة النيابية لأكثر من ثلاثين عامًا، بدأت بعض فصولها قبل مولدي واستمرت بعده. ولذلك لا أنظر إلى المضبطة بوصفها صفحات قديمة، بل بوصفها ذاكرة مؤسسة تعلمت، وتعثرت، وصمدت، وتراجعت، ثم حاولت من جديد.
والوثيقة التي نقرأها اليوم تذكرنا بأن ما يقال في جلسة سرية لا يضيع بالضرورة مع إغلاق أبواب القاعة. فقد مرت ثمانية عقود على هذه المناقشات، ورحل الذين شاركوا فيها، وسقطت ملكية وقامت جمهورية، وتغيرت دساتير وحدود وتحالفات، لكن كلماتهم ما زالت قابلة للقراءة والمراجعة والمساءلة.
السرية قد تحجب الكلمة عن الجمهور في لحظتها، لكنها لا تمنحها حصانة من التاريخ. وقد يُنسى التصفيق الذي أعقب قرارًا، لكن السؤال الذي طرحه نائب، أو التحفظ الذي أبداه آخر، قد يبقى شاهدًا على مقدار ما كان متاحًا من معرفة وشجاعة ومسؤولية.
ولهذا أتابع جلسات البرلمان الحالية باهتمام واحترام، وأتمنى أن تخرج منها مصر بقرار واضح الأسباب والحدود، وأن تكون كل سلطة قد مارست اختصاصها كاملًا، لا أن تكون قد اكتفت بإنجاز إجراء شكلي. إن حق السعودية الشقيقة في الأمن، وحق مصر في حماية مصالحها وجنودها، وحق البرلمان في المعرفة، ليست بالضرورة حقوقًا متعارضة. بل قد يكون حسن الجمع بينها هو الطريق إلى قرار أكثر سلامة.
غداً رسالتي الثالثه
وغدًا، رسالتي الثالثة، أنتقل فيها من المرحلة الملكية إلى الجمهورية،
ومن مضابط ١٩٤٨ إلى سجل اليمن وحروب ١٩٦٧ و١٩٧٣، ثم الكويت وعاصفة الحزم وليبيا، لنقرأ كيف اتُّخذت قرارات الحرب، ومتى حضر البرلمان، ومتى غاب، ومتى حضر بعد أن كانت القوات قد عبرت الحدود بالفعل.
فالتاريخ لا يطلب منا أن نكرر قرارات السابقين، بل أن نتعلم كيف اتخذوها،فمن حق الجندي أن يعرف وطنه لماذا يرسله، ومن حق الوطن أن يعرف ممثلوه إلى أين يمضي جنوده.







