
لماذا تتكرّر أكذوبة وفاتي
في ذكرى ميلادي الثاني؟
يا مصر…
في مثل هذا اليوم،
منذ خمسة عشر عامًا،
فتحتِ عينيكِ على الشارع،
وفتح الشارع قلبه على الحلم،
وخرج الناس لا ليهتفوا فقط،
بل ليجربوا للمرة الأولى
أن يولدوا واقفين.
كان يومًا يشبه الميلاد،
لا لأن الدم لم يسِل،
بل لأن الخوف هو الذي سقط،
ولأن الصوت حين خرج
لم يعد يعرف طريق العودة إلى الحلق.
يا مصر…
أنتِ الذاكرة التي لا يطويها منفى،
ولا تُغلقها حدود،
وأنتِ الأغنية التي لا يخرسها قمع،
ولا يصمتها ضجيجٌ مصنوع.
فيكِ نقرأ الحرية كل صباح
كما نقرأ الفاتحة،
لا تبركًا،
بل إيمانًا بأن الوعد لا يموت.
فيكِ نرى الغد طفلًا يولد،
رغم القيود،
رغم التعب،
رغم من يُصرّون أن الحلم كاذب،
وأن الحمل أثقل من أن يُحتمل.
لكن حلمكِ لم يكذب،
ولا حملكِ خان،
حتى حين خانكِ من احتموا باسمكِ.
يا مصر…
سمعت بالاكذوبه
وانا اشارك في الصالون الثقافي للشرق امس في ندوه حول ذكريات يناير وذكر ى ملحمه الاسماعيليه
ليست هذه المرّة الأولى
التي يُعلنون فيها أكذوبة موتي.
في سنوات اعتقالي بعد انتخابات الرئاسة،
مابين عامي 2005 و2009،
كانت عائلتي تهرع إلى السجن
كلما وصلها خبرٌ جديد
عن وفاتي خلف الأسوار.
وفي الشوارع،
كان باعة الصحف ينادون
بجريدة المساء تحديدًا،
يهتفون:
«وفاة أيمن نور في السجن».
وكانت الجريدة كثيرًا ما تخلو
من هذا الخبر،
فالأكذوبة تسبق الورق،
والموت كان يُجرَّب عليّ
قبل أن يُكتبه الله.
ومنذ خمسة أعوام،
وفي ذكرى يناير العاشره،
كنت مع أصدقاء للأسرة
في زيارة لمدينة بورصة،
حين تناقلت جريدة الدستور
وبعض المواقع
خبر وفاتي، بتوقّف القلب
في أحد مستشفيات إسطنبول.
لم يُدهشني تكرار الشائعة،
بقدر ما أدهشتني الجرأة
على ترويج خبر
يتنفّس كذبًا مفضوحًا،
ويتكرّر بعنادٍ
في التوقيت ذاته،
والذكرى ذاتها.
لماذا ترويج الشائعه في نفس توقيت
ڜائعه وفاه
مصطفى النجار ؟
لماذا يحدث هذا يا مصر؟
ولماذا دائمًا
في رحاب يناير،
الذي أعتبره ميلادي الثاني،
بعد ميلادي الأول
في 5 ديسمبر 1964؟
أهو الخوف من صوت
ما زال يتنفّس؟
أم ضيق من كلمة عاقله
لم تجد قبرها بعد؟
ربما لأن بعضهم
لا يحتمل أن يرى من أبعد
ما زال يكتب،
ولا أن يرى من سُجن
او نفي ما زال حاضرًا،
ولا أن يرى من أُقصي
أقرب إلى الوطن
من الذين يجلسون علي مقاعده.
يا مصر…
وجهكِ مرآة الصابرين،
وصوتكِ جرس الحالمين.
منكِ يبدأ الدرس،
وفيكِ يكتمل العهد:
أن الحرية لا تُدفن بشائعة،
ولا تُلغى بخبرٍ مدفوع،
ولا تموت لأنهم يتمنّون ذلك.
فيكِ نقرأ معنى الكرامة،
ومن عيونكِ نتعلّم
أن الكبرياء ليس تكبرًا،
بل بقاءٌ على الجرح
دون أن نفقد ملامحنا.
كلما قست علينا الحياة،
فتحنا ذراعينا نحوكِ،
فنجدكِ كما أنتِ:
أقرب من الأمل،
وأصدق من الحلم،
وأجمل من البكاء.
يا مصر…
أنتِ البداية التي لا تنتهي،
والنهاية التي لا تموت باكذوبه.
أنتِ المعني حين يتلعثم الصدق،
والحقيقة حين يضيع الوعي،
والغد الذي سيأتي
حتى لو تأخر ألف عام.
في ذكرى ميلادي الثاني،
لا أكتب عن نفسي،
ولا عن أكذوبة موت مغشوش،
بل عن وطنٍ
كلما أعلنوا وفاته كذبًا،
أثبت لهم أنه
ما زال يستحق الحياة.







