
كانت تقف أمام السبورة كما يقف من يعرف أن ما يكتبه ليس درسًا عابرًا، بل محاولة شقّ طريق في جدارٍ صلد. الطباشير في يدها لم يكن أداة شرح، بل وعدًا صامتًا بأن المعرفة — مهما ضُيّقت — تجد طريقها. لم تكن نبوية موسى تبحث عن معركة، لكنها أدركت مبكرًا أن التعليم نفسه معركة، وأن من يدخلها وحده يدفع الثمن كاملًا.
وُلدت نبوية موسى عام 1886 في زمنٍ كانت فيه المدرسة امتيازًا ذكوريًا، وكانت الفتاة تُربّى على أن المعرفة زينة، لا حقًا. في بيتٍ بسيط، تعلّمت أن الفقر الحقيقي ليس نقص المال، بل نقص الفرصة، وأن الحرمان من التعليم شكلٌ مبكّر من أشكال الإقصاء.
منذ طفولتها، اصطدمت نبوية بالفكرة التي ستلازمها عمرًا: أن المجتمع قد يغفر للمرأة جهلها، لكنه لا يغفر لها وعيها. كانت ترى إخوتها الذكور يتجهون إلى التعليم كأمرٍ بديهي، بينما يُنظر إلى تعليمها بوصفه ترفًا أو خطرًا “على البنات”. هذا التناقض لم يُحبطها، بل صقل عنادها.
دخلت المدرسة وهي تعرف أن كل خطوة محسوبة، وأن أي تعثّر سيُستخدم دليلًا على “فشل الفكرة كلها”. تفوّقها لم يكن مصدر فخرٍ فقط، بل مصدر قلقٍ للمحيط. كانت تدرك أن النجاح نفسه قد يُفسَّر بوصفه استثناءً لا قاعدة، وأن الطريق لن يُمهَّد لها مهما بلغت.
حين صارت معلمة، لم ترَ في الوظيفة استقرارًا، بل عبئًا أخلاقيًا. المدرسة لم تكن مكانًا محايدًا؛ كانت صورة مصغّرة لمجتمعٍ يشكّك في قدرة المرأة على القيادة. إدارة تفضّل الرجل، وزملاء يرون وجودها مؤقتًا، وأولياء أمور يخشون على بناتهم من “الزيادة عن اللزوم”.
طالبت نبوية موسى بالمساواة في الأجور بين المعلمين والمعلمات، فقوبلت بالسخرية. طالبت بفرصٍ متكافئة، فقيل لها إن المرأة “لا تحتمل”. طالبت بحقوق التلميذات، فقيل لها إن البيت أولى. كانت الردود جاهزة، لكنها لم تكن مقنعة. ومع كل رفض، كانت تضيف سببًا جديدًا للاستمرار.
لم تكتفِ نبوية بالفصل الدراسي، فكتبت، ودافعت، واشتبكت بالقلم مع أفكار راسخة. كانت ترى أن التعليم الذي لا يُغيّر نظرة المجتمع إلى المرأة يظل ناقصًا. كتبت عن تعليم البنات بوصفه ضرورة وطنية، لا مطلبًا فئويًا، وربطته بتقدّم المجتمع كله، لا بتقدّم النساء وحدهنّ.
في حياتها الخاصة، دفعت نبوية موسى ثمن الطريق الذي اختارته. لم تعش حياة عاطفية مستقرة، لا لأنها رفضت الحب، بل لأن المجتمع لم يكن يحتمل امرأة مستقلة إلى هذا الحد. الوحدة لم تكن اختيارًا رومانسيًا، بل نتيجة طبيعية لمسارٍ لا يعرف أنصاف الحلول.
كانت تعود إلى بيتها محمّلة بالكتب والأوراق، تفكّر في الغد، لا في نفسها. كانت تعرف أن من يمشي وحده يرى أبعد، لكنه يتعب أكثر. ومع ذلك، لم تحوّل التعب إلى شكوى، ولم تجعل من وحدتها خطابًا. تركت فعلها يتكلم عنها.
لم تُكافأ نبوية موسى في حياتها كما يليق بما قدّمت. لم تتحوّل إلى أيقونة شعبية، ولم تُرفع صورتها في الميادين. لكن الأثر الحقيقي لم يكن في الصورة، بل في آلاف الفتيات اللواتي دخلن المدرسة دون خوف، وفي فكرةٍ صارت بديهية بعد أن كانت مستحيلة.
رحلت نبوية موسى عام 1951، بعد عمرٍ قضته في مواجهة هادئة مع مجتمعٍ كامل. لم ترَ كل ما حلمت به يتحقّق، لكنها رأت الباب يُفتح، ولو قليلًا. وهذا، في معارك المعرفة، نصرٌ لا يُستهان به.
ليست كل البطولات صاخبة، وليست كل الانتصارات سريعة. بعض النساء يغيّرن العالم لأنهنّ أصررن على أن يمشين وحدهنّ، وأن يتركن الطريق أوسع قليلًا لمن يأتي بعدهنّ.
هكذا بقيت نبوية موسى وجهًا لا يغيب، لا لأنها رفعت راية، بل لأنها حملت عبئًا ثقيلًا ومضت، وهي تعرف أن التعليم — حين يُنتزع — يصبح قدرًا لا يُردّ.








