المرزوقي يروي موقفًا شخصيًا مع الملك محمد السادس ويدعو الجزائر لتغيير سياستها وبناء اتحاد مغاربي جديد

في محاضرة سياسية مطوّلة عن واقع ومستقبل المنطقة، استعاد الرئيس التونسي الأسبق الدكتور محمد المنصف المرزوقي ذكريات خاصة مع العاهل المغربي الملك محمد السادس، متحدثًا في الوقت نفسه عن رؤيته لحلّ قضية الصحراء ودعوته إلى إحياء مشروع الاتحاد المغاربي على أسس جديدة.
قال المرزوقي إنه “كدّ أن يصاب بجلطة” حين بلغه خبر نزول الملك محمد السادس للتجول في شارع الحبيب بورقيبة وشوارع تونس دون موكب ضخم أو ترتيبات استثنائية، واصفًا ذلك بأنه سلوك “رجل شجاع” و”تصرف غير معهود” في تلك الظروف الصعبة التي كانت تمر بها تونس آنذاك، ومؤكدًا أنه لن ينسى هذا الموقف وما يحمله من دعم معنوي له ولبلده.
إشادة خاصة بالملك محمد السادس في “أصعب الظروف”
روى المرزوقي تفاصيل تلك الزيارة قائلًا إن الملك محمد السادس جاء إلى تونس في واحدة من أصعب اللحظات السياسية والأمنية التي عرفتها البلاد بعد الثورة، وإن نزوله إلى الشارع واحتكاكه المباشر بالمواطنين من دون بروتوكول مبالغ فيه كان رسالة ثقة في تونس وشعبها.
وأوضح أنه يعتبر العاهل المغربي “رجلًا شجاعًا” أثبت حضوره على أرض الواقع، مضيفًا: هذا التصرف غير المعهود في تلك الفترة لن أنساه ما حييت، وأبعث له بكل تحياتي وامتناني.
“مغربيّ الهوى”.. مع حب واضح للجزائر وشعبها
توقف المرزوقي طويلًا عند الاتهامات التي توجَّه إليه بأنه “مغربيّ الهوى”، قائلًا إنه لا ينكر تأثره الكبير بالمغرب وقضاياه، لكنه شدد في المقابل على أن محبته للجزائر وشعبها لا تقل عن محبته للمغاربة.
واستعاد في هذا السياق موقفًا جمعه بالرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة خلال زيارة رسمية إلى تونس، حين ردد النشيد الوطني الجزائري كاملًا، ليفاجأ بوتفليقة بمعرفته الدقيقة بكلماته. وأوضح المرزوقي أن الجزائز كانت جزءًا من وجدان جيله، وأنهم ترعرعوا على دعم ثورة التحرير والاستماع إلى الإذاعة الجزائرية ومساندة الشعب الجزائري.
وأكد أن خلافه ليس مع الشعب الجزائري، بل مع “سياسة” يراها فاشلة ومكلفة، محذرًا من الخلط بين الأنظمة والشعوب، ومعتبرًا أن كثيرًا من الأنظمة في العالم لا تمثّل شعوبها تمثيلًا حقيقيًا.
انتقاد حاد لسردية النظام الجزائري حول الصحراء
خصّ المرزوقي جانبًا واسعًا من مداخلته لانتقاد السردية الرسمية التي يقدّمها النظام الجزائري حول قضية الصحراء، معتبرًا أنها لم تعد تقنع أحدًا بعد التطورات الأخيرة وقرارات مجلس الأمن.
وأشار إلى أن القول إن الجزائر “ليست طرفًا” في النزاع بين المغرب وجبهة “البوليساريو” لم يعد مقنعًا، مضيفًا أن الواقع السياسي والمالي والعسكري يناقض هذا الادعاء. كما اعتبر أن توصيف الوجود المغربي في الصحراء بأنه “استعمار” يفتح الباب — منطقيًا — لاعتبار مناطق أخرى في الشمال المغربي سابقًا “مستعمرة”، وهو ما يراه طرحًا غير واقعي.
وقال إن قرارات مجلس الأمن الأخيرة أنهت عمليًا جدلًا طويلًا حول الأطراف المعنية بالقضية، وأن العالم — دولًا ومؤسسات — بات يتجه نحو حل يقوم على الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، مع أفق أوسع للوطن المغاربي المشترك.
خمسون عامًا من الصراع.. ثمن باهظ لشعوب المغرب العربي
اعتبر المرزوقي أن السياسة المتبعة منذ خمسين عامًا حول قضية الصحراء أدت إلى طريق مسدود، وأن كلفتها الحقيقية دفعها الصحراويون في مخيمات تندوف، إلى جانب الشعبين الجزائري والمغربي وسائر شعوب المنطقة.
وأشار إلى أن أجيالًا متعاقبة وُلدت ونشأت في ظروف أشبه بـ”الرهائن”، من دون أفق سياسي واضح، في حين يعرف صانعو القرار — على حد قوله — أن سيناريو “اقتطاع الصحراء وإقامة جمهورية مستقلة” غير قابل للتحقق عمليًا.
وتحدث عن كلفة سباق التسلح بين الجزائر والمغرب، مؤكدًا أن الموارد التي ضُخت في تمويل هذا الصراع كان يمكن أن تُستثمر في التنمية والبنية التحتية والتعليم والصحة لصالح شعوب البلدين.
دعوة إلى “ريال بوليتيك” مغاربية بدل “النيف السياسي”
توقف المرزوقي عند ما وصفه بالتحول في سلوك السياسة الجزائرية على الساحة الدولية، مستشهدًا بموقف الجزائر من بعض الملفات داخل مجلس الأمن، معتبرا أن ذلك يعكس إدراكًا لمفهوم “الريال بوليتيك” والتكيف مع موازين القوى.
ودعا إلى تطبيق المنطق نفسه في العلاقة مع الجيران والأشقاء، بدل الاكتفاء بخطاب “النيف والكبرياء”، مشددًا على أن السياسة في جوهرها تقوم على المصالح لا على العناد، وأن ما تحتاجه المنطقة اليوم هو مراجعة شجاعة للخيارات التي لم تؤدِّ إلى نتائج ملموسة طوال عقود.
حريات خمس.. رؤية عملية لتسهيل حياة المغاربيين
استعاد المرزوقي مشروعًا قديمًا طرحه في بداية العقد الماضي تحت عنوان “الحريات الخمس” بين دول المغرب العربي، يتمثل في:
- حرية التنقل
- حرية الإقامة
- حرية العمل
- حرية التملك
- حرية المشاركة في الانتخابات البلدية
وقال إنه عرض هذه الفكرة على عدد من القادة المغاربيين، من بينهم الملك محمد السادس والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ورئيس موريتانيا ومسؤولون في ليبيا، وإن كثيرين رحّبوا بها من حيث المبدأ، لكن التطورات السياسية في تونس وثورات الربيع العربي والانقلابات المضادة عطّلت تنفيذها.
ودعا اليوم برلمانات المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا وموريتانيا إلى إعادة إحياء هذا المشروع، حتى يكون خطوة عملية نحو تكامل مغاربي حقيقي يلمسه المواطن في حياته اليومية، وبداية لتجاوز “سدّ” الصراع الجزائري–المغربي عبر مسار بديل يسهّل حياة الناس بدل أن يرهقهم.
نقد لغياب دور المجتمع المدني المغاربي
عبّر المرزوقي عن أسفه لما وصفه بـ”انحسار” النشاط المغاربي المشترك داخل منظمات المجتمع المدني، مستذكرًا مرحلة الثمانينيات والتسعينيات حين كانت تعقد مؤتمرات مشتركة لجمعيات الأطباء والمحامين ومنظمات حقوق الإنسان في كل دول المنطقة.
وأشار إلى أن كثيرًا من النشطاء الجزائريين اليوم يخشون المشاركة في مبادرات مغاربية مشتركة بسبب الضغوط والاتهامات الجاهزة، لكنه شدد على أن استعادة دور المجتمع المدني باتت ضرورة ملحة لإسناد أي مشروع سياسي وحدوي.
الاتحاد المغاربي.. “بيت توقّف بناؤه منذ التسعينيات”
عاد المرزوقي إلى تشبيهه الشهير للاتحاد المغاربي بالبيت الذي وُضعت أسسه في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، ثم بدأت الجدران ترتفع قليلًا قبل أن يتوقف البناء بالكامل.
وقال إن هذا “الورشة” توقفت لأكثر من خمسين سنة، بينما العالم يمضي نحو التكتلات الكبرى، مؤكدًا أن شعوب المنطقة — من موريتانيا إلى ليبيا مرورًا بتونس والجزائر والمغرب — تدفع ثمن غياب هذا الفضاء المشترك، اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.
وأوضح أن تونس مثلًا تظل سوقًا صغيرة بعشرة ملايين نسمة، في حين أن اندماجًا مغاربيًا حقيقيًا كان سيمنحها سوقًا تتجاوز مئة مليون مستهلك، مع ما يعنيه ذلك من فرص استثمار وتشغيل ونمو.
هوية مغاربية مركّبة.. ورفض لاستغلال “الوطنية” للاستبداد
أكد المرزوقي أن شعوب المغرب العربي تحمل هوية مركّبة بطبيعتها، فهي عربية–أمازيغية–إفريقية–متوسطية في الوقت ذاته، محذرًا من اختزال الهوية في بعد واحد أو تحويلها إلى أداة صراع بين تيارات قومية وأمازيغية.
وانتقد بشدة الاستخدام السياسي لمفهوم “الوطنية” حين يتحول إلى غطاء للاستبداد والشوفينية، معتبرًا أن المستقبل يجب أن يُبنى على حقوق المواطنة لا على الشعارات.
رسالة أخيرة للشباب المغاربي
اختتم المرزوقي محاضرته بتوجيه رسالة مباشرة إلى الشباب المغاربي، داعيًا إياهم إلى عدم الاستسلام لليأس أو الإحباط، ومؤكدًا أن بناء فضاء مغاربي مشترك ليس ترفًا فكريًا بل “ضرورة تاريخية وعملية”.
وشدد على أن بعض السياسيين كانوا — بحسب تعبيره — “حجر عثرة” أمام استكمال مشروع الاتحاد المغاربي، لكن الأجيال القادمة قادرة على استئناف البناء ورفع سقف “البيت الكبير” الذي يجمع شعوب المنطقة، قائلًا إنه لا يتصور اتحادًا مغاربيًا حقيقيًا من دون الجزائر وشعبها، ومعربًا في الوقت نفسه عن محبته الكبيرة للمغاربة وكل شعوب المنطقة.






