مقالات وآراء

د. تامر المغازي يكتب : 29 نوفمبر .. ذكرى تقسيم فلسطين

في ذاكرة التاريخ، تتراصف التواريخ لتشكل محطاتٍ فارقة، بعضها يُغيّر جغرافيا الأرض، وبعضها يُعيد تشكيل وعي الأمم.

يأتي التاسع والعشرون من نوفمبر كواحد من تلك التواريخ الثقيلة، حيث يحمل في طياته تناقضاً صارخاً؛ فهو من جهة، ذكرى قرار دولي قسم أرض فلسطين في عام 1947، ومن جهة أخرى، هو اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي أقرته الأمم المتحدة نفسها بعد ثلاثة عقود، وكأنها محاولة لتصحيح مسار أو لتذكير العالم بثمن قرار لم يُسأل أصحاب الأرض عنه.

القرار الذي غير الخريطة هو قرار التقسيم رقم 181


في مثل هذا اليوم من العام 1947، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181، الذي دعا إلى إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وتقسيم أراضيها إلى ثلاث كيانات دولة عربية على مساحة 11,000 كيلومتر مربع (ما يعادل 42.3% من أرض فلسطين التاريخية)، لتشمل الجليل الغربي، عكا، الضفة الغربية، والساحل الجنوبي الممتد من شمال أسدود حتى رفح، مع جزء من صحراء النقب.

و دولة صهيونيه يهودية على مساحة 15,000 كيلومتر مربع (ما يعادل 57.7% من الأرض)، رغم أن اليهود كانوا يمتلكون في ذلك الوقت أقل من 7% من الأراضي، وضمت السهل الساحلي من حيفا إلى جنوب تل أبيب، الجليل الشرقي وبحيرة طبريا، ومعظم صحراء النقب و أم الرشراش (إيلات حالياً).

و كيان دولي خاص فقد وضعت القدس وبيت لحم تحت وصاية دولية بسبب أهميتهما الدينية للديانات السماوية الثلاث.

رفض الفلسطينيون والعرب القرار جملة وتفصيلاً، معتبرين إيهانه لمبدأ تقرير المصير وتفضيلاً لمشروع استعماري استيطاني على حساب السكان الأصليين.

بينما قبلت الحركة الصهيونية بالقرار ورأت فيه شرعية دولية لإنشاء “دولة اليهود المرعومة “.

وكان هذا القرار الشرارة التي أشعلت الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى في عام 1948، والتي أدت إلى النكبة وتشريد أكثر من 750 ألف فلسطيني من ديارهم.

و من التقسيم إلى التضامن تحول في الموقف الدولي


بعد ثلاثين عاماً، وفي اعتراف ضمني بعدم إنصاف القرار وتداعياته الإنسانية والسياسية المستمرة، دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1977 إلى إحياء اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني في 29 نوفمبر من كل عام.

لم يكن اختيار التاريخ من قبيل الصدفة، بل كان تأكيداً على الربط الجدلي بين جذور القضية واستمرار معاناة شعبها.

يهدف هذا اليوم إلى تركيز انتباه المجتمع الدولي على حقيقة أن قضية فلسطين لم تُحل بعد، وأن الشعب الفلسطيني لم يحصل بعد على حقوقه غير القابلة للتصرف.

وكذلك التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

و تسليط الضوء على المعاناة الإنسانية والانتهاكات اليومية التي يتعرض لها الفلسطينيون من الاحتلال.

ذكرى تتجدد وعدالة مؤجلة
بين قرار التقسيم في 1947 ويوم التضامن في 2025، تمتد عقود من النزوح والمعاناة والمقاومة والبحث عن العدالة.

لم يعد 29 نوفمبر مجرد ذكرى لتقسيم جائر في كتب التاريخ، بل تحول إلى منصة عالمية سنوية لتجديد الالتزام الأخلاقي والسياسي بقضية شعب ما زال يصارع من أجل وجوده على أرضه.

إنه اليوم الذي يذكر العالم بأن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في الحرية والدولة المستقلة، متجاوزاً إرث قرار لم يكن يوماً عادلاً، ليصنع مستقبله بيده.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى