أخبار العالمالعالم العربي

بولونيزكوي.. قرية بولندية حافظت على روحها 180 عامًا على أطراف إسطنبول

على أطراف مدينة إسطنبول التركية، تبرز قرية بولونيزكوي كوجهة هادئة تجمع بين الطبيعة والتاريخ الممتد لنحو 180 عامًا، منذ أن أسسها مهاجرون بولنديون في منتصف القرن التاسع عشر، لتصبح اليوم ملاذًا للراغبين في الابتعاد عن صخب المدينة واستكشاف إرث ثقافي فريد بين أشجار الغابات.

وتقدم القرية لزوارها مزيجًا مميزًا من هدوء الريف والطابع الأوروبي، ما جعلها واحدة من أبرز الوجهات لعشاق الطبيعة والباحثين عن تجارب ثقافية مختلفة داخل إسطنبول.

معالم تاريخية تستقبل الزائرين

عند مدخل بولونيزكوي، تبرز كنيسة القرية، والمقبرة الكاثوليكية، ومنزل “الخالة زوشيا” التذكاري، إضافة إلى ميدان تتجاور فيه الأعلام التركية والبولندية.

وتنتشر في المدخل لوحات تحكي قصة تأسيس القرية، وتمثال نصفي لمؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، إلى جانب ختم عثماني يشير إلى الحقبة التي بدأت فيها قصة الاستقرار البولندي.

وبحسب الروايات المتداولة بين السكان والموثقة تاريخيًا، فقد أسس الأمير البولندي آدم تشارتورسكي ممثلية لبلاده في إسطنبول عام 1841. وبعد حرب القرم عام 1856، استقر جنود بولنديون قاتلوا إلى جانب الدولة العثمانية في المنطقة، وأطلقوا عليها اسم “أدامبول” أي “حقل آدم”، قبل أن يُعتمد اسم بولونيزكوي رسميًا عام 1923.

سكان من أصول بولندية وهوية حاضرة

يقطن القرية اليوم نحو 35 شخصًا من أصول بولندية من إجمالي قرابة 370 نسمة، وتحمل شوارعها وأحياؤها أسماء بولندية مثل “آدم ميكيفيتش”، فيما تحمل بيوت الضيافة أسماء قديمة مثل “لودفيك” و”ليو”.

ويزور سكان إسطنبول المكان بكثافة في عطلات نهاية الأسبوع للاستمتاع بالغابات ومسارات المشي، بينما تحافظ المطاعم المحلية على تقديم الأطباق البولندية التقليدية، ولا يزال كبار السن يتحدثون البولندية القديمة المتوارثة من الأجداد.

ومع حلول عيد الميلاد في 25 ديسمبر، تزدان بيوت القرية ومحالها بالأضواء والمجسمات الاحتفالية، في مشهد يعكس امتزاج الهوية البولندية مع البيئة التركية.

العمارة البولندية في قلب إسطنبول

مختار القرية أوزر أوقوموش يؤكد أن بولونيزكوي تعد من أجمل أماكن إسطنبول، “فالهواء نقي والطبيعة ساحرة، ويأتي الناس للإفطار والتنزه”.

ويضيف أن القرية “جميلة في كل الفصول، حتى شتاؤها يتحول إلى لوحة خيالية حين تتساقط الثلوج”، مشيرًا إلى أنها تضم نماذج من العمارة البولندية الخشبية رغم التغييرات التي طرأت عليها عبر السنين.

ويروي ذكريات طفولته:
“بينما يكبر أطفال الأناضول مع أحمد وعلي، أنا كبرت مع أوليغ وإيدِك وفينتشو، واليوم يواصل دانييل وبولِك وفريدي الحفاظ على هذا الإرث”.

كما يشير إلى أن مهرجان الكرز الصيفي يجذب فرق رقص فولكلورية من بولندا، مقدّمًا تجربة فريدة للزوار.

روح القرية.. حكايات سكانها القدامى

آنا فيلكوشيفسكي، إحدى أقدم أهالي القرية، تقول إن عدد البولنديين كان أكبر بكثير في السابق، لكن كثيرين غادروها مع مرور الوقت، مؤكدة أن أجمل ما في حياتهم هو الحفاظ على “روح القرية”.

وتضيف:
“كنا نبيع الزبدة والبيض في إسطنبول، ونزرع الحقول، ونقدم المسرحيات القديمة التي كانت جدّاتنا تُخرجها”، مشيرة إلى استمرار الاحتفالات والعادات كما كانت في الماضي.

مطعم بولندي عمره أجيال

أنتوني دوهودا، من الجيل السادس للعائلات البولندية، يدير مطعمًا في منزل قديم ورثه عن أجداده.

ويقول:
“قصة القرية أصبحت مصدر فضول للناس، وكأنهم يكتشفون بولندا صغيرة داخل إسطنبول”.

ويقدم في مطعمه أطباقًا بولندية تقليدية إلى جانب وجبات تركية، مؤكدًا أن جميع أصحاب المتاجر من أصول بولندية، “والزائر يشتم رائحة بولندا في كل زاوية”.

ويستذكر بفخر زيارة أتاتورك لبيت جدته “زوشيا” عام 1937، والذي تحول اليوم إلى متحف صغير للقرية.

ويضيف عن التعايش:
“نصلي الجمعة في المسجد، وتقام العظة مساء السبت في الكنيسة. نحن عائلة واحدة”.

سائح بولندي يعود بعد 15 عامًا

السائح البولندي زجيسلاف جيداشيفسكي يقول إنه جاء إلى القرية بعد 15 عامًا ليجد أنها ما تزال تحتفظ بسحرها وهدوئها.

ويضيف:
“تركيا بلد رائع، والبولنديون يزداد فضولهم تجاهها. جئنا لزيارة القرية ولقاء سكانها الذين التقيناهم قبل سنوات”.

ويختم بقوله:
“بين الغابات الكثيفة والبيوت الخشبية والأعلام البولندية، تظل بولونيزكوي قصة استثنائية لقرية حافظت على روحها البولندية داخل واحدة من أكبر مدن العالم”.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى