مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: ماذا حدث في منصّة «X»؟

ماذا جرى هناك؟

تغييرات هائلة، عميقة، تمسّ خوارزميات الرؤية والوصول والتفاعل، تغييرات خرجت من عباءة التقنية لتدخل في قلب الصراع السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث حاولت المنصّة — في خطوة وُصفت بأنها «جريئة» — تتبّع موجات الكراهية المتصاعدة داخل أمريكا بين الجمهوريين والديمقراطيين، وكشف الأطراف الخارجية التي تؤجّج هذا الانقسام. كان الهدف أمريكيًا خالصًا: ضبط الحملات الموجّهة، ورصد القوى التي تعبث بالوعي الانتخابي، وتدير الرأي العام كما لو كان خيطًا بين أصابع مجهولة.

ثم جاءت المفاجأة الفضائحية التي لم يتوقعها أحد، عندما بدأ التعديل الجديد يكشف — ولو بصورة تقريبية — أماكن إدارة الحسابات. وفجأة ظهرت الحقيقة الصادمة: حسابات تتحدث بلهجة عربية، وتثير جدلًا مذهبيًا أو تهجمًا طائفيًا، وتدخل في تفاصيل ملفات حساسة داخل دول عربية… بينما مصدرها الحقيقي يقع داخل إسرائيل، داخل الكيان الصهيوني نفسه.

دهشة؟ ربما لا… فصاحب المصلحة في إشعال الفتنة لن يكون يومًا صديقًا أو حليفًا، بل خصمًا وعدوًّا يعرف أين يضع إصبعه، وكيف يحوّل خلافاتنا الصغيرة إلى معارك، ومعاركنا الكبيرة إلى انهيار. هكذا كان التاريخ، وهكذا تظل إسرائيل — بمنطق الضرر والمنفعة — المستفيد الأول وربما الأخير من إضعاف منطقتنا في دولها المختلفة، ومن ضرب مناعتها الداخلية، ومن جعل الشكّ هو اللغة الوحيدة التي نتحدث بها.

أمّةٌ تمتد جذورها فرعونيةً عميقة، وتتنفّس روحًا عربيةً واسعة، وتستظل بعقيدة إسلامية رحبة؛ أمّةٌ كهذه لا تعرف التناقض، بل تعرف الامتداد. هويةٌ تتراكم فيها الحضارات ولا تتصادم، مثلما يزدهر الأمازيغي والنوبي والشركسي والكردي داخل لوحة واحدة لا ينقصها اللون، بل يثريها. التضادّ ليس في الهويات، بل في عيون من يريدون تسعير الصراع بينها.

فتنٌ تُزرع على المنصّات، وتُروى بخطاب استقطابي، وتُقطف لصالح من يتربّص بنا منذ عقود. ولا شيء يبهج المحتل أكثر من شعوبٍ تتصارع على أصولها بينما تُنتزع أرضها، أو قبائل تغضب على أنسابها بينما يُكتب مستقبلها خارج أبوابها. الفتنة ليست حدثًا طارئًا، بل مشروعٌ طويل.

قراءة عيّنة من الحسابات ذات الخطاب العدائي — بعد تحديث منصة X — كشفت إشارات لا يمكن تجاهلها. مواقع جغرافية لا تطابق اللهجات. أعلام لا تطابق أصحابها. جيوش إلكترونية ترتدي هويات لا تشبهها. ليست أحكامًا، لكنها مؤشرات تقول إن جزءًا من عاصفة الكراهية تُدار من خارج ساحات الحوار، وأن الذباب الإلكتروني لم يعد ذبابًا… بل سربًا يهاجم بالأسنان لا بالأجنحة.

أخطر من الحسابات الوهمية ذلك المواطن الذي يشارك في نشر الأكذوبة بحسن نية أو بسوء نية؛ فكلاهما يضع حجرًا في بناء الفتنة، حتى وإن ظن أنه يدافع عن فكرة أو ينتصر لهوية. حسن النية لا يعفي من الجريمة، وسوء النية لا يقلّ خطرًا عن الجهل. وكلتا اليدين — الحائرة والخبيثة — تشتركان في هدم البيت ذاته.

ظاهرة قاسية تلتهم المشهد العربي في العقد الأخير: لا أحد فوق الهجوم. منابر تُسقط، رموز تُهان، أحزاب تُشيطن، مفكرون يُخَوَّنون، فنانون يُطعنون، كأن هناك من قرّر أن يهدم كل القامات حتى لا يبقى في هذا الوطن إلا أقزام تتقاتل في مساحة لا تتسع إلا للضجيج. مشهد يصنع وطنًا بلا رموز، وذاكرة بلا أعلام.

إسقاط الرموز ليس صدفة. إنه مخطّط؛ تبدأ أطرافه بإهانة المختلف، وتنتهي بإسقاط الجميع. وعندما تسقط الرموز، تتبعها الأوطان. وعندما يُهان التاريخ، يصبح المستقبل بلا جذور. وعندما يُشوَّه الوعي، يصبح كل شيء مباحًا… حتى الوطن نفسه.

منصّات التواصل، التي كان يُفترض أن تكون واحة للتعبير، تحوّلت إلى مختبر تُجرى فيه تجارب على الوعي الجمعي. كلمات تُطلق كالرصاص، وهاشتاجات تُدار كالجيوش، وخطابات تُبنى على أنقاض الجهل والخوف. وفي هذا الضجيج، تكبر كرة الثلج حتى تكاد تدهس من صنعها.

أمام هذا الخراب، يبقى العقل نادرًا كقطرة ماء في صحراء. يبقى الصوت العاقل أقرب إلى وشوشة تُبتلع داخل عاصفة. ومع ذلك، يظل هذا الصوت هو آخر خطوط الدفاع. فالوطن لا يحميه أصحاب الصوت المرتفع، بل أصحاب البصيرة الذين يُفرّقون بين الخلاف والخصومة، وبين التنوع والانقسام، وبين الهوية الحقيقية والرايات المصنوعة.

القراءة الأولية لعالم الحسابات المستقطِبة ليست حكمًا، لكنها إنذار مبكر. دعوة إلى اليقظة لا الاتهام. إلى التفكيك لا التصعيد. إلى الوعي قبل أن تتكرر الأخطاء ذاتها في كل موجة غضب. محاولة لإعادة العقل إلى المائدة قبل أن تبتلعها العاطفة وحدها.

هوية الوطن لا تُصان بالصراخ، بل تُصان بالمعرفة. ولا تُحمى بالتخوين، بل بالحوار. ولا تكبر بضرب الأقليات، بل باحتضانها. فالوطن ليس نبتة تُروى بيد واحدة، بل غابة لا تكتمل إلا بألوانها المختلفة. وكلما ازداد ظلّها، قلّ تأثير الريح التي تريد اقتلاعها.

كل من يشارك — بكلمة أو إشارة أو سخرية — في صناعة الفتن، يشارك في جريمة تهدم بيتًا أكبر من خلاف وأوسع من رأي وأعمق من جدل. الكلمة التي نظنها عابرة قد تصبح طعنة في خاصرة المستقبل. والضحكة التي تُقال باستهزاء قد تشعل نارًا لا يطفئها أحد.

حماية الوطن ليست صراعًا مع المختلفين، بل مع الجهل. ليست معركة ضد الهويات، بل دفاعًا عنها. ليست انتصارًا لطرف، بل إنقاذًا للجميع. وإن بقي شيء من الحكمة، فلنتذكّر أن الأوطان لا تُبنى بالأعتاب المنخفضة، بل بالقامات العالية التي يريد البعض إسقاطها منذ عقد كامل.

أكتب هذا دفاعًا عن وطنٍ يريد البعض اختزاله في خلافات صغيرة، أو إغراقه في هويات ضيقة، أو إسكاته بسهام التخوين. وطن أكبر من الضجيج، وأعمق من الفتنة، وأبقى من الذين يمرّون عليه كغبار فوق صفحة الماء. وطن يليق به أن يبقى كبيرًا مهما صغرت الأصوات حوله.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى