مقالات وآراء

د.أيمن نور يكتب: ورقة من نور.. من وحي الـ61


حين تمشي على الظلِّ.. فتعثر على طفل

خمسُ أيّامٍ
وتبدأ رحلةُ دخولي عامي الـ٦١،
لحظةٌ ليست من أيّ تقويم،
بل من تقاويم الروح،
التي تقترب فيها المسافات
وتنكشف فيها الأصوات
عاريةً من الزينة،
وحقيقيةً حدّ أن توقظ فيك
طفلك الذي نام طويلًا
تحت أضلاعك المجهدة.

لحظةٌ
يعرف الإنسان فيها
أن ما ظنَّه بعيدًا
كان يسكنه طوال الوقت،
وأن الصوت الذي تجاهله
كان صوته،
صوته وحده،
يعود إليه كأنفاسٍ قديمة
عافت الزحام
وعادت تبحث عن صدرها الأول.

يتسلّل طفل
من شقّ صغير
في جدار الروح،
كأنما انفتحت فيه نافذةٌ
من زمنٍ كان القلب فيه
أقرب إلى الأغنية
وأقرب إلى الطفولة.
تهتدي إليه
كما يُهتدى إلى صلاةٍ ضائعة،
وكأنه رسولٌ
جاء على موعدٍ
ليُزيح الغبار عن مرآتي،
ويضع أمامي حقيقتي
كما هي…
لا كما يراها الناس،
بلا زخارف،
ولا دهانٍ لشقوقٍ
كنت أحسبها اندثرت.

العمرُ الطويل
في رحلة الـ٦١
يعود إليّ دفعةً واحدة،
يومًا بيوم،
وجرحًا بجرح،
كأنه كتابٌ منسي
فُتح فجأةً
على سيرة حياتي.

في تلك اللحظة،
أدرك أن الإنسان
مهما بلغ ذكاؤه
لا يهرب من نفسه،
وإن ظنّ أنه يفعل.
سيفلت—مرةً—من الناس،
ومرةً من الجحيم،
ومراتٍ من الحبّ،
لكنه لا يفلت
من ظلّه.

سيلتفت،
فيرى ظله
يحدِّق فيه
ويسأله
عن واحدٍ وستّين عامًا
من مشواره،
وعن طرقٍ ممهَّدةٍ لم يمشها،
وأخرى مدبّبةٍ سلكها،
وعن حقيقةٍ
عرفها كاملةً
ولم يقلها يومًا كاملة.

وهذا أقسى امتحان:
أن ترى نفسك
كما هي،
لا كما صنعتها
من أجل الناس.

في كنف الـ٦١
يمشي الإنسان
فوق ظلّه؛
لا ليتعالى،
بل ليقترب،
ليتصالح،
كأنه يقول له:
“سامحني…
لم أكن أراك جيدًا،
أيها الطفل الذي يسكنني.
كنتُ أراك عيبًا،
ولم أدرك أنك
نسختي الأكثر صدقًا،
الأكثر نقاءً،
الأكثر شبهاً بما أردت أن أكونه
ولم أكن.”

طفلٌ صغير
يسكن قلب كلّ واحدٍ منّا،
لم يغادر يومًا،
لم يزعل يومًا،
لم يخذلنا يومًا،
بل توارى خلف وجوهٍ صلبة
وقلوبٍ أشدّ قسوة.
وحين نعود إليه
بصدقٍ وبلا ضجيج،
يستقبلنا بابتسامةٍ
تشبه ضحكةَ فجر،
تقول الكثير…
وتغفر أكثر.

في ال٦١
نفهم أن المجد لا ينفع،
ولا تصلّب المواقف ينقذ،
ولا القوة تصنع غدًا أفضل.
نعرف أن الشفاء الحقيقي للروح
يبدأ حين نعثر
على الطفل بداخلنا،
نجلس معه
ونقول ما لم نجرؤ على قوله من قبل:
أخطأتُ… نعم.
تعثّرت… نعم.
غرّني الطريق… نعم.
لكنّ نور الداخل
ما دام يتنفّس
فلن ينطفئ.

الصفح عن النفس
نورٌ آخر،
نورٌ لا يأتي بالوعظ،
ولا تمنحه سلطة،
ولا يخلقه بشر،
بل يولده ذاك الطفل
حين ينهض في لحظةٍ صادقة
كصلاةٍ لا تحتاج إلى لسان،
ولا إلى محراب،
ولا إلى شهود.
لحظةٌ نفهم فيها
أننا بشر…
ننكسر،
ونقوم،
ونخطئ،
ونتعلّم،
ونغفر لأنفسنا
قبل أن نطلب من العالم
أن يفعل.

لذلك أكتب هذه الورقة الأولى
من سلسلة أوراق من نور،
كمن يفتح نافذةً
في ليلٍ مديد،
ويتلمّس الطريق
إلى طفله…
إلى نفسه…
ويضع يده على قلبه مطمئناً:
أن العتمة
مهما طال مقامها،
فالنور يولد
من طفلٍ صادق،
من بسمةٍ صغيرة،
من صدقٍ لا يتكلّف،
وأن الإنسان
ما دام يرى طفله
فلن يضيع

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى