
الجهل مهد الخواء، والخواء مرقد الراحة، مثل جسد هامد ثقيل الحركة، تسرى الروح في أوصاله لكنها خرساء بلا إحساس، متبلدة بلا معنى، تنظر ولا ترى، وإن رأت فلا تشعر، عاجزة عن التمييز، وتجهل قيمة الأشياء، بدءا من غاية الوجود إلى حقيقة الخلود، روح ولدت ميتة، تعيش ببرود فاتر فوق التراب بلا تأثير أو أثر.
ربما هذا ما حاول أن يصل إليه الشاب أنطوان بطل رواية “كيف أصبحت غبيا” للكاتب مارتن باج، شاب مثقف متقد الذهن، يحمل شهادات رفيعة لكنه يعاني في حياته من محيطه الاجتماعي بسبب هذا التميّز، كان دائما يقول لنفسه: إن ذكائي هو من جلب علىّ الشقاء في الحياة..، حاول أنطوان أن يتخلّص من تلك الخصلة فانغمس في شرب الخمر وحاول الانتحار ليخلص من شقائه لكنه فشل، إلى أن قرر التخلي عن الفهم وإدراكه لحقيقة الحياة، تماهى مع معايير الجهل السائدة في مجتمعه والغباء العام، وحماقة محيطه المعاصر، وتحول مع الوقت إلى كائن استهلاكي، تخلى عن العمق وبات يطفو على السطح مثل الجميع، يفكر كما يفكرون ويعيش كما يعيشون.
خشى الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس أن يفتح نافذته المغلقة خشية المجهول الذي قد يكون في انتظاره، توارى خلف النافذة وفضّل ظلام الجهل وسوداويته على نور الحقيقة وفضاءها الواسع، فقال في قصيدة النوافذ:
“إن فتح النوافذ فيه بعض التسرية، لكن ليس هناك نوافذ، أو لأنى لا أستطيع أن أجدها، ربما من الأفضل ألا أجدها، فقد يكون في الضوء قهرٌ جديد، ومن يعلم أى أشياء جديدة قد يُكشف عنها”؟
لم يغلب كفافيس فضوله ليفتح النافذة ويعلم ما خلفها، استسلم للمألوف الذي يعرفه عن المجهول الذي لا يعرفه، وإن وسّع له دائرة الرؤية وأثرى بصيرته، فقد لا يقوى على دفع ثمن ما وراء النافذة من معرفة وحقائق وضوء قد يحرقه ويفسد عليه حياته، لم يرد أن يكون ملاكا يعيش في الجحيم على حد تعبير مارتن باج في وصف حياة بطل الرواية أنطوان، الذي أكثر من فتح النوافذ فهجمت عليه الحقائق جملة واحدة وأفسدت عليه حياته، فيقول في الرواية عن بطله أنطوان:
السعى للفهم انتحار، من الأفضل أن يكون الإنسان جاهلا من أن يكون مثقفا، إن الذكاء يجعل المرء تعيسا ومنعزلا وفقيرا، لم يكن عقله يُتيح له أى راحة، كان يمنعه من النوم بتساؤلاته المستمرة ويوقظه في منتصف الليل، كان لفرط التفكير وتورم الوعي يحيا حياة بائسة، وهو الآن يريد أن يكون أقل وعيا وأكثر جهلا بالوقائع والأحداث، لقد عانى ما يكفي من حدة النظر التى منحته صورة رديئة عن العلاقات الإنسانية، كان عقله هو سبب تعاسته.
اعتقد أنطوان كما يعتقد كثيرون في واقعنا المعاصر أن الذكاء سيضفى له ميزة اجتماعية ويجعله محط اهتمام واحترام الآخرين قبل أن يكتشف خطأ تلك الحقيقة، فيقول: الذكاء عاهة، تماماً كما يعلم الأحياء بأنهم سيموتون، في حين لا يعلم الأمواتُ شيئاً، أعتقد أن كون المرء ذكياً أسوأ من أن يكون جاهلا، لأن الشخص الجاهل لا يفهم، في حين أن الشخص الذكي وإن كان متواضعاً ووضيعاً مرغمٌ على ذلك.
ثم يكشف مارتن باج عن قسوة الظروف التى يعيشها أنطوان بسبب لعنة الذكاء ودقة الفهم والنظر في أوجاع الحياة، والحرمان الذي ترتب على كل ذلك، فيقول:
“أعاني من لعنة العقل، أنا فقير، أعزب، محبط نفسياً، تمر الأعوام وأنا أفكر في مرضي ألا وهو الإفراط في التفكير، واكتشفت بيقين شقائي وتطرف عقلي أن السعي للفهم لم يجلب لي أي شيء ولكنه لعب باستمرار ضدّي، ليس التفكير عملية طبيعية، إنه يجرح كقطع من الزجاج والأسلاك الشائكة السابحة في الهواء، لا أستطيع إيقاف دماغي أو إبطاء إيقاعه، السعي للفهم هو انتحار اجتماعي، أي أن يكف الإنسان عن الاستمتاع بالحياة دون أن يشعر بنفسه!”
لم يكن خيار بطل الرواية أنطوان خيارا واعيا للتخلي عن تفرده الاجتماعي بل تخلى تحت سطوة قهر اجتماعي، يساوم المختلف والمبدع دوما على نفسه من خلال معاييره المريضة، حتى يفقد تميزه ويصير شيئا عاديا عابرا كغيره من العابرين المثقل بهم الدهر، أن تتنازل عن كل ما يميزك ويظهر ضعف غيرك، وإلا نُبذت ورفضك محيطك، ومن ثم تسقط في دائرة العزلة الشعورية والاغتراب عمن حولك.
آفة العقلاء هو الشعور بالاغتراب، فالتفرد الذهني ترفا لا يقدر عليه الجميع ولا يستطيون تحمل عواقبه ودفع أثمانه الباهظة، في النهاية تخلى بطل الرواية أنطوان عن مميزاته وخلع ثوب العبقرية وألقى به في حاوية الجهل، وارتدى ثوبا تقليديا يلائم محيطه ولا يتميز به عن غيره، ومن وقتها وهو يعيش خامل الذكر لا يراه أحد، ضحى بعقله ليكون واحدا من الناس.







