مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: تركي آل شيخ وهبل

“السياحة السعودية تكتشف “كنزاً” جديداً تماثيل ما قبل الإسلام.. تذاكر مجانية إلى سجين الآخرة!”

في خطوة جريئة تعكس “انفتاحاً” غير مسبوق، أعلنت الهيئة السعودية للسياحة عن إدراج “مواقع أثرية” جديدة ضمن مساراتها السياحية، ليست كالمواقع العادية، بل هي تماثيل “اللات” و”العزى” و”مناة” الثالثة الأخرى، تلك الآلهة التي كان العرب يعبدونها قبل الإسلام.

وكأنما تقول الهيئة للعالم “تعالوا إلى السعودية.. حيث يمكنكم زيارة ما أدانكم القرآن على عبادته!”

صدمة السائح بين “لا إله إلا الله” و”هذه معبودات الجد الأكبر”

تخيل نفسك سائحاً تقف عند مدخل موقع “العزى”، وتسمع المرشد السياحي وهو يقول بكل فخر “هنا كان العرب يعبدون هذه التماثيل قبل أن يهدمها الإسلام”، بينما أنت تحمل في جيبك مصحفاً صغيراً، وتقرأ في سورة النجم: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَىٰ * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم}.

إنه لتناقض صارخ يذكرنا ببيع الخمر في الفاتيكان!

من “لا تصوروا التماثيل” إلى “صوروا التماثيل وانشروها على إنستغرام”

لطالما حذرت التعليمات الدينية التقليدية من تصوير التماثيل وتحطيمها، واليوم نجد أن هذه التماثيل نفسها أصبحت محط أنظار كاميرات السائحين من كل حدب وصوب.

يبدو أن “الرؤية” الاقتصادية استطاعت ما لم تستطعه آلاف الخطب والدروس.

فالمصلحة الاقتصادية، كما يبدو، قادرة على تحويل “الشرك” إلى “تراث”، و”الضلالة” إلى “قبلة سياحية”.

تعليقات “السوشيال ميديا”: بين المذهول والمستفز:

لم تخلو منصات التواصل الاجتماعي من تعليقات لاذعة، قال أحدهم: “الآن فهمت معنى الآية الكريمة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}.. يبدو أننا نتبع آباءنا حتى في السياحة!”

بينما كتب آخر بسخرية: “متى نرى افتتاح أول معبد وثني بخمس نجوم تحت شعار ‘اختبر عبادة الأصنام في موطن التوحيد’؟”.

التراث.. ذلك الصندوق الأسود الذي نفتحه عندما ننسى تاريخنا

يحق لأي أمة أن تفخر بتراثها، ولكن بشرط أن لا يتحول هذا الفخر إلى تناقض مع الهوية الأساسية.

فالسعودية هي أرض التوحيد، ومهبط الوحي، التي جاءت لتحطم هذه الأصنام وتحرر العباد من عبادتها.

فكيف نعيد إحياءها اليوم تحت مسمى “التراث”؟

هل سنرى قريباً متحفاً للخمر في مكة باسم “تراث الجاهلية”؟

أم معرضاً لأدوات القمار في المدينة تحت عنوان “تراث الترفيه القديم”؟

في النهاية، يبدو أن خطط التنمية الاقتصادية قد تدفع بأي بلد إلى مناطق رمادية لم يتخيلها أحد.

لكن السؤال الذي يظل عالقاً
أي تراث هذا الذي نقدمه للعالم؟

هل هو تراث “الجذور” أم تراث “الضلالات”؟

وإلى أي مدى يمكن أن نذهب في تسويق تاريخنا قبل أن نتحول إلى ديزني لاند للتناقضات؟

في زمن أصبحت فيه كل الأشياء قابلة للبيع والشراء، يبدو أن بعض الثوابت تحتاج إلى حراس أشداء.. لا إلى مسوقين أذكياء.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى