مقالات وآراء

د. تامر المغازي يكتب : هل السعادة اختيار؟

في زحام الحياة المعاصرة وتدافع الهموم اليومية، يبدو السؤال عن السعادة وكأنه منافسة صامتة نخوضها جميعًا دون أن نعرف قواعدها.

البعض يراها ضربة حظ، والبعض الآخر يعتبرها نتيجة حتمية للنجاح المادي أو الاجتماعي.

لكن السؤال الذي ظل يتردد عبر قرون من التفكير الفلسفي وعقود من البحث العلمي هو هل السعادة في النهاية اختيار نصنعه لأنفسنا، أم هي حالة تفرضها علينا الظروف؟

الفلسفة تقول أن السعادة كفن للعيش فمنذ العصور اليونانية القديمة، حاول الفلاسفة فك لغز السعادة.

أرسطو رأى أن السعادة (Eudaimonia) هي “الخير الأعلى” للإنسان، وهي لا تأتي من المتع العابرة بل من “حياة الفضيلة” والعقلانية وتحقيق الإمكانات الكامنة.

بكلمات أخرى، السعادة هنا هي مشروع حياة نختار بنائه يوميًا من خلال أفعالنا وقيمنا.

وفي الجهة المقابلة، نجد الفلسفة الرواقية (مثل سينيكا وماركوس أوريليوس) التي ذهبت إلى أبعد من ذلك، مؤكدة أن السعادة تكمن كليًا في سيطرتنا على تصوراتنا الداخلية.

“ليس ما يحدث لك هو المهم، بل كيف ترد على ما يحدث” هذه العبارة تلخص جوهر الفكرة فأن اختيار تفسيرنا للأحداث هو مصدر سعادتنا أو تعاستنا.

لكن هل الأمر بهذه البساطة؟

الفلسفة الوجودية في القرن العشرين (مثل سارتر) أجابت بـ “نعم” قاطع “الإنسان محكوم عليه أن يكون حرًا”، وبالتالي فهو مسؤول بشكل كامل عن اختياراته، وبالتالي عن سعادته أو بؤسه.

السعادة هنا ليست حقًا مكتسبًا، بل هي مسؤولية فردية ثقيلة.

علم النفس بين الجينات والاختيار الواعي فقد دخل العلم الحديث إلى هذه المعمعة محاولًا قياس ما تعذر على الفلاسفة إثباته.

نظرية نقطة التحديد للسعادة (Happiness Set Point) التي طرحها الباحثان بريكمان وبوميستر والتي تشير إلى أن حوالي 50% من سعادتنا تحددها العوامل الوراثية.

بمعنى آخر، نولد ولدينا “نقطة توازن” مزاجية تميل إلى الثبات النسبي طوال الحياة.

لكن هذا لا يعني أننا مجرد دمى تحركها جيناتنا.

النسبة المتبقية 50% تتوزع بين الظروف الخارجية (10% فقط!) والأنشطة والإجراءات الإرادية التي نمارسها (40%).

هنا يأتي دور علم النفس الإيجابي، الذي أسسه مارتن سليغمان.

سليغمان وعلم النفس الإيجابي يقولون إن جزءًا كبيرًا من السعادة هو خيار يتعلمه الإنسان.

من خلال ممارسات مثل الامتنان بتدريب العقل على تسجيل النعم بدل النقائص.

و التدفق (Flow) بالانغماس في نشاط يتحدى مهاراتنا ويجذب تركيزنا بالكامل.

وكذلك إعادة التقييم المعرفي بتغيير طريقة تفسيرنا للأحداث السلبية.

و العطاء والتواصل الاجتماعي الهادف.

الأبحاث العلمية تثبت أن هذه الممارسات تغير كيمياء الدماغ وتقوي المسارات العصبية المرتبطة بالمشاعر الإيجابية.

فالسعادة إذن مهارة يمكن تدريبها، مثل العضلة.

وهناك منطقة التقاطع حيث تلتقي الفلسفة بعلم النفس
فيبدو أن الفلسفة وعلم النفس يتفقان على نقطة جوهرية وهي الجزء الأكبر من معادلة السعادة ليس في ما يحدث لنا، بل في كيفية استجابتنا له.

الظروف القاسية كالفقر أو المرض أو الفقد تؤلم بلا شك، لكنها لا تحدد بشكل قاطع نهاية رحلتنا مع السعادة.

قصص الناجين من المحن، وأبحاث المرونة النفسية (Resilience)، تظهر أن البشر يملكون قدرة مذهلة على اختيار النمو حتى من رحم المعاناة.

ومع ذلك، يظل من الظلم القول إن السعادة “اختيار بحت” لكل الناس.

الظروف الاجتماعية الصعبة، والاضطرابات النفسية البيولوجية مثل الاكتئاب الحاد، والظلم النظامي كلها عوامل تقيد “حرية الاختيار” وتجعل الحديث عن “اختيار السعادة” يبدو وكأنه ترف فكري لمن يتمتعون بامتيازات معينة.

إن السعادة كرحلة مسؤولية مشتركة ربما يكون الجواب الأكثر دقة هو أن السعادة تقاطع بين الاختيار والمصادفة.

نحن لا نختار جيناتنا، ولا البيئة التي نولد فيها، ولا الصدمات التي قد تعترضنا.

هذه هي “أوراق الحياة” التي نوزعها.

لكننا نختار كيف نلعب بهذه الأوراق.

ربما تكون السعادة، في نهاية المطاف، ليست “حالة دائمة” نصل إليها، بل هي طريقة للسفر في رحلة الحياة.

طريقة نختار فيها، قدر استطاعتنا، أن نركز على ما يضيء في الظلام، وأن نزرع حيثما وقفنا، وأن نجد المعنى حتى في المنعطفات الأكثر وعورة.

السعادة ليست ضربة حظ ننتظرها، ولا هي حق مكتسب نطالب به.

هي، في أعمق معانيها، ممارسة يومية للشجاعة – شجاعة مواجهة الحياة بكل ما فيها، واختيار أن نعيشها بعمق وامتنان، رغم كل شيء.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى