انقلاب في دهاليز الحزب الديمقراطي: جيل أمريكي جديد ينهي الهيمنة الإسرائيلية

يكشف إزرا كلاين، كاتب الافتتاحيات الشهير في صحيفة نيويورك تايمز، عن زلزال سياسي يضرب أركان النخبة اليهودية الأمريكية، حيث يتفكك الإجماع التقليدي المؤيد للسياسات الإسرائيلية بشكل متسارع. ويرى كلاين أن أصواتاً يهودية تقدمية بدأت تفرض مقاربة جديدة للسياسة الخارجية الأمريكية، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، مما أدى إلى تصاعد حدة المعارضة داخل أوساط الحزب الديمقراطي ضد النهج التقليدي المتبع، وهو ما اعتبره مراقبون تحولاً جوهرياً في العقيدة السياسية الأمريكية تجاه قضايا الشرق الأوسط.
يعد إزرا كلاين، المولود في كاليفورنيا عام 1984 لأبوين مثقفين، أحد أكثر الوجوه تأثيراً في دوائر النخبة الديمقراطية. ورغم قربه التاريخي من شخصيات مثل هيلاري كلينتون وباراك أوباما، إلا أن مواقفه الأخيرة كشفت عن شرخ عميق، إذ ساهم تحفظه على ترشح جو بايدن في عام 2024 في الدفع بكامالا هاريس إلى واجهة المشهد. واليوم، يتناول كلاين في تحليلاته ما يسميه “تفكك التوافق” داخل الوسط اليهودي الأمريكي، الذي كان يربط بين الليبرالية السياسية والفكرة الصهيونية، ليجد نفسه الآن أمام تناقضات أخلاقية حادة مع التوسع الاستيطاني والواقع الاستعماري في المنطقة.
يرصد التقرير حالة من “المكارثية الجديدة” التي تستخدم تهمة معاداة السامية كسلاح سياسي لمطاردة المثقفين، مثل جوديث بتلر، الذين ينتقدون الممارسات الإسرائيلية. لكن هذا القمع لم يمنع صعود جيل يهودي جديد في نيويورك يدعم شخصيات مثل زهران ممداني، حيث أظهرت دراسة صادرة في يوليو 2025 عن مركز “زينيت ريسرش” ومنظمة “بابليك بروغرس” أن 67% من اليهود في نيويورك دون سن الأربعين يرفضون مستقبل إسرائيل كدولة “أبرتهايد”. هؤلاء الشباب يعيدون تعريف “تيقون عولام” أو واجب إصلاح العالم، ليصبح مرادفاً للعدالة الاجتماعية ومواجهة الظلم البنيوي، لا مجرد التزام طقوسي.
يتجاوز هذا الحراك حدود العمل الانتخابي، فقد اصطفت نخب فكرية وفنية بارزة، مثل توني كوشنر وخواكين فينيكس والمخرجة ناعومي كلاين، خلف عريضة تاريخية نُشرت في 13 فبراير 2025 تدين التطهير العرقي في غزة. وفي حلقة بودكاست بثها كلاين في إبريل 2026، كسر حاجز الصمت التقليدي معترفاً بالقيمة السياسية لشعار “من النهر إلى البحر”، داعياً إلى مواجهة واقع الدولة الواحدة التي تسيطر فيها إسرائيل على الأرض والناس، وتخضع الفلسطينيين لأنظمة قانونية دونية، وهو ما وثقه باحثون مثل مارك لينش وشبلي تلحمي في أعمالهم الأكاديمية الصادرة عن جامعة كورنيل.
يتجلى التحول العملي في أروقة السلطة، حيث بدأت المواقف المناهضة لتسليح تل أبيب تتغلغل داخل الجناح التقليدي للحزب الديمقراطي وليس فقط في جناحه اليساري. ففي إبريل 2026، خلال المؤتمر الوطني الديمقراطي بنيو أورلينز، طرحت النائبة أليسون مينرلي مقترحاً بحظر تصدير السلاح، وبينما صوت بيرني ساندرز و39 عضواً في مجلس الشيوخ ضد صفقات التسليح، أعلن رام إيمانويل، رئيس موظفي البيت الأبيض السابق، رفضه لتمويل أنظمة الدفاع الإسرائيلية. كما أعلنت ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز تأييدها لحظر شامل على تصدير الأسلحة، بما فيها الأسلحة الدفاعية لـ “القبة الحديدية”.
تتساقط هيبة لجنة “أيباك” تحت وقع هذا التغيير، إذ لم تعد التهم الجاهزة بمعاداة السامية قادرة على ترهيب المرشحين. وفي انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر 2026، يبرز مرشحون مثل عبد الرحمن السيد وسايكات تشاكرابارتي وغراهام بلاتنر، الذين يرفضون أي دعم مالي من لجان الضغط المؤيدة لإسرائيل. إن هذه الوجوه السياسية الجديدة تتبنى برنامجاً يربط بين حقوق المهاجرين، والعدالة الاجتماعية، ومناهضة النظام الإثني الإسرائيلي، مما يجعل القضية الفلسطينية محوراً مركزياً يتجاوز كونه ملفاً هامشياً في السياسة الأمريكية، ويضع الحزب الديمقراطي أمام اختبار وجودي لتوجهاته المستقبلية.







