
تدور في ذهني الأفكار في الساعات أو الدقائق السابقة لليقظه بعد النوم.
لا أعرف حقيقة نسبية الزمن في الاحلام ، فما نظنه ساعة قد يكون ثانيه .
المهم ان ما دار في رأسي أمس هو كيف تُحوِّلنا الأخبار المتكررة والدراما المستهلكة إلى متفرجين بلا دهشة.
في عالمٍ تتسارع فيه تدفّقات المعلومات، لم يعد الخطر الأكبر هو الكذب، بل الاعتياد.
فالتكرار، سواء في نشر أخبار التجاوزات أو في عرض مشاهد العنف والفساد في الأفلام والمسلسلات، يُعيد تشكيل حساسية الإنسان الأخلاقية من حيث لا يدري. ومع الوقت، يحدث ما يمكن أن نسميه: تآكل الدهشة الأخلاقية ، فيصبح اللا أخلاقي جزءًا من الخلفية الوجدانيه.
الإنسان بطبيعته كائن يتعوّد.
التعرّض المستمر لنمط واحد من السلوكيات—حتى لو كان منحرفًا—يجعله مألوفًا، ومع الألفة تنخفض حدّة الرفض.
كثافة أخبار الجرائم والتضخيم المستمر للفضائح وتصوير الفساد على أنه «ذكاء» أو «شطارة»
وتكرار مشاهد الخيانة والعنف والتحايل في الأعمال الفنية،
كلها عناصر تؤسّس مع الوقت لما يشبه الحياة على المسرح؛ حيث يصبح الجمهور مشاهدًا ، ومتلقيًا أكثر منه فاعلًا، و«مُتفهّمًا» بدل أن يكون رافضًا.
الفن بطبيعته يختزل الواقع ويعيد تشكيله.
لكنه في لحظةٍ ما يتحوّل من مرآةٍ للواقع إلى مِطرقةٍ تُشكِّل الواقع. فحين تتكرر مشاهد العنف في عشرات الأفلام، ويتحوّل رجل الفساد إلى بطل شعبي، ويتقدّم المحتال على أنه صاحب «ذكاء اجتماعي»، تتغيّر القيم دون إعلانٍ رسمي.
تبدأ العقول الشابة في اعتبار ما تشاهده طبيعيًا، أو «جزءًا من اللعبة»، أو «واقعية»، وكأن الأخلاق باتت رفاهية يمكن الاستغناء عنها في سبيل «الحياة كما تجري».
انها نظرية التطبيع النفسي التي يسميها العلم: Normalization
حيث يصبح الشاذ مألوفًا بسبب التعرّض المستمر له.
وتُظهر الدراسات أن العقل مع الوقت يقلّ تجاوبه مع الصدمات الأخلاقية ، و يخفض مستوى الحساسية تجاه الألم أو الظلم عند الآخرين بل ويبرر السلوك غير الأخلاقي باعتباره «حتميًا» أو «منطقيًا».
ولذلك لم يعد غريبًا أن يتقبّل بعض الناس مظاهر كان يرفضونها بشدة قبل سنوات، فقط لأنهم اعتادوا رؤيتها على الشاشة أو قراءتها يوميًا في الأخبار.
الإعلام والدراما يؤثران ببطء، بلا صدام مباشر.
فالمُشاهد لا يشعر بأنه يتلقى «أمرًا»، لكنه يتلقّى سياقًا؛ والسياقات أقوى من الأوامر.
فحين تُظهر الدراما الشرّ في صورة بطل محبوب، وحين تُبرَّر الخيانة بدافع «الضغوط النفسية»، وحين يُجعل التحايل على القانون جزءًا من «الحياة الواقعية»، ينتهي الجمهور إلى النظر إلى هذه الأفعال كأنها طبيعية، وليست اختيارات منحرفة. فيتحول المجتمع من محافظ على قيمه إلى مستهلك لمشاهدته.
إن هذا أخطر ما يمكن أن يمر به مجتمع:
أن يختفي الشعور بالخطأ ، و يضعف صوت الضمير و يصبح اللا أخلاقي «جزءًا من المشهد» لا يستحق الوقوف عنده.
في السياسية وبنفس المنهجية يتحوّل الاستثناء إلى قاعدة،
فليست صناعة الاعتياد حكرًا على الفن والإعلام، بل هي أحد أقوى الأسلحة التي استخدمتها الأنظمة السياسية عبر التاريخ، محليًا ودوليًا، لتحويل السلوكيات الشاذة إلى ممارسات «عادية.»
فحين يُعاد إنتاج مشهد سياسي غير أخلاقي أو غير ديمقراطي مرات متتالية، يتوقف الناس عن رؤيته كخلل، ويبدأون في قبوله كجزء من “طبيعة الحكم”.
في ألمانيا الثلاثينيات،
لم تبدأ الكارثة بحرب عالميه بل بخلق احساس بسمو الجنس الالماني وبحقهم في غزو الأمم الأخري. وبسلسلة متكررة من الرسائل الإعلامية التي تُشيطن الغجر والمعارضين واليهود والتكرار اليومي جعل الكراهية «منطقية»، فبات المجتمع جاهزًا لقبول جرائم غير أخلاقية لم يكن ليتصوّرها قبل سنوات قليلة.
الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر،
قبِل ملايين الأمريكيين قوانين تقييد الحريات—مثل “Patriot Act”—لأن الإعلام كرّر في كل ساعة أن الأمن لا يتحقق إلا على حساب الخصوصية. ومع الوقت، لم يعد المواطن يستغرب أن تُراقَب اتصالاته أو تُقيَّد حرياته، لأن الاعتياد جعل المسّ بالحقوق أمرًا «طبيعيًا».
الرساله الإعلامية الاسرائلية في أوروبا وأمريكا
قلبت الجاني ضحية والمجني عليه مجرما.
في اطار تكرار حضور ممثلي الجيش في السياسة،
تحوّلت مشاركة المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية من «استثناء» إلى «قاعدة».
كل انقلاب، وكل تدخل في الحكم، وكل خطاب يربط «الأمن» بـ«الحكم العسكري» رسّخ في الوجدان فكرة أن البديل الوحيد عن السلطة الصارمة هو الفوضى، فاختفى النقاش حول الديمقراطية قبل أن يبدأ.
تكرار مشاهد الفساد الإداري
جعل المواطن، عامًا بعد عام، يري أن الفساد يُكافأ بالترقيات أو بالتجاهل، و تتحول الدهشة الأولى إلى لامبالاة بل يصبح السؤال: «وماذا في ذلك؟» بدلًا من «كيف يحدث هذا؟».
هذا التطبيع هو ما يسمح للفساد بأن يصير بنية مستقرة لا حادثة عابرة.
في بعض السياقات المحلية،
تُقدَّم الحملات الأمنية أو الاعتقالات أو تغييب الأصوات إعلامياً على أنها إجراءات «لحماية الوطن». ومع التكرار اليومي لهذه الرسائل، يتراجع الحسّ بالأخلاق، وتختلط حماية الدولة بحماية السلطة، ليقبل المواطن إجراءات كان سيرفضها في ظروف مختلفة.
كيف نحمي وعينا من التآكل؟
الحل ليس في محاربة الفن ولا في إخفاء الأخبار، بل في تعليم التفكير النقدي،و أن نرى ونفهم دون أن نُسلم.
الحل في تربية الأطفال والشباب على التساؤل: لماذا يحدث ذلك؟ هل هو صحيح أخلاقيًا؟ و تنويع مصادر الوعي كي لا نبقى أسرى نمط إعلامي واحد.
فالدراما قد تحكي عن الشر،
لكن الدور الفعلي للمجتمع هو أن يظل قادرًا على رفضه.
المجتمعات التي تنهض
لا تترك للصدفة مهمة تشكيل وجدانها، ولا تترك للتكرار مهمة صياغة قيمها. إنها مجتمعات تعرف أن إعادة الحساسية الأخلاقية ليست خطابًا وعظيًا، بل معركة وعي تبدأ من سؤال واحد:
هل أدرك حقًا أن ما أراه ليس طبيعيًا؟
أم أنني فقط… اعتدت عليه؟







