
كأنّ التاريخ يهمس في آذاننا من وراء الزمن، يحكي لنا عن سيدةٍ من طين هذه الأرض، نبتت من حضارة النيل لا لتكون مجرد حاكمة، بل لتكون قصيدةً منقوشة على جدران المجد.
وحين تسألني لماذا اخترتُ الملكة حتشبسوت لتكون التمثال الأكبر في متحف الحضارة المصرية في إسطنبول، حيث يتجاوز طول تمثالها 6 أمتار، فأقول لك:
لو خُيّرتُ اليوم بين سيداتٍ لحكم مصر، فبالقطع لن أختار الدكتورة هالة السعيد أو الوزيرة النشار مع احترامي لهن، بل سأختار هذه السيدة القادمة من عمق الزمن، لأنها حاكمة أدركت قيمة الدولة قبل لذّة السلطة.
حتشبسوت لم تكن مجرد استثناءٍ نسوي، بل كانت استثناءً سياسياً فريداً؛
امرأةٌ جلست على العرش لا لتقصي وريثاً ولا لتغلق أبواب المستقبل، بل لتقيم ميزان العدل بين الشرعية والحكمة.
الاسم ذاته يحمل دلالة؛ «حتشبسوت» تعني «أشرفُ السيداتِ منزلة»،
وقد عاشت اسمها فعلاً لنحو واحدٍ وعشرين عاماً في القرن الخامس عشر قبل الميلاد.
جاءت بعد والدها تحتمس الأول، وفي مرحلةٍ انتقالية أعقبت تحتمس الثاني،
أبقت الوريث الشرعي تحتمس الثالث حاضراً في القصر، لم تنفيه ولم تمح اسمه، بل جعلته شريكاً صامتاً يتعلّم، ويقود الجيش شاباً.
ازدهرت التجارة والعمارة في عهدها، وارتفعت معابد الدير البحري كأنها أبياتٌ من شعرٍ فرعوني؛
لم تكن استعراضاً للسلطة بل انسجاماً بين الروح والحجر.
وفي تمثالها تجلس جاثيةً، تمسك كرتين ترمزان للعدل والحرية،
كأنها تصلي لقيمة خالدة: أن الحكم الحقيقي لا يُكتب إلا بمنطق العدل وشرط الحرية.
المفارقة أن اسمها مُحي بعد رحيلها بسنوات، لا ثأراً شخصياً بل محاولةً لإعادة عقيدة “الملك الذكر”.
ومع ذلك بقيت سيرتها أقوى من النسيان، لأن الحكم حين يُدار بأخلاقٍ خالدة يترك أثراً لا يُمحى.
مصر التي نحبّها لا تبحث عن معجزات، بل عن حكمٍ يُدار كما تُدار الصلاة: خشوعاً وعدلاً وحرية.
ومن بين ظلال التاريخ، تلوّح حتشبسوت لنا أن نختار الدولة التي تعرف كيف توازن بين القوة والإنسانية، ليكون الاختيار اختياراً للحضارة نفسها.







