
لا يمكن التعامل مع الاعتراف الإسرائيلي بما يُسمّى «جمهورية أرض الصومال» بوصفه خطوة دبلوماسية سيادية عادية، ولا حتى كموقف سياسي قابل للاختلاف. فالمسألة، في جوهرها، قضية قانون دولي صِرف، والاعتراف هنا لا يندرج ضمن هامش المناورة المشروعة، بل يقع مباشرة في منطقة المخالفة القانونية الواضحة.
في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت إسرائيل اعترافها بإقليم انفصالي عن دولة عضو في الأمم المتحدة، في غياب أي سند قانوني دولي، أو موافقة من الدولة الأم، أو غطاء أممي، أو حتى قبول إقليمي. وبهذا، لم تخرق إسرائيل فقط التوافق السياسي الدولي، بل قوّضت أحد الأعمدة التي يقوم عليها النظام الدولي الحديث: مبدأ سيادة الدول وسلامة أراضيها.
سيادة الصومال ليست محل نقاش
من الناحية القانونية، لا يوجد أي غموض في وضع الصومال. فهي دولة معترف بها دوليًا، وعضو كامل العضوية في الأمم المتحدة، وتمارس — نظريًا وقانونيًا — سيادتها على كامل أراضيها، بما فيها إقليم أرض الصومال الذي أعلن انفصاله من جانب واحد عام 1991.
ثلاثة عقود من الأمر الواقع لم تغيّر هذه الحقيقة القانونية. فحتى اليوم، لم تعترف الأمم المتحدة، ولا الاتحاد الأفريقي، ولا أي منظمة دولية معتبرة، بأرض الصومال كدولة مستقلة. بل إن الموقف الدولي ظل ثابتًا: وحدة الصومال الإقليمية خط أحمر قانونيًا.
هذا الثبات ليس ناتجًا عن تردد سياسي، بل عن قاعدة قانونية صلبة مفادها أن حدود الدول المعترف بها لا يجوز المساس بها إلا:
• بموافقة الدولة الأم،
• أو عبر تسوية دولية جماعية،
• أو بقرار من مجلس الأمن في ظروف استثنائية.
ولا شرط واحد من هذه الشروط متحقق في الحالة الصومالية.
الاعتراف الأحادي: ممارسة سياسية بلا شرعية قانونية
صحيح أن الاعتراف بالدول يُعد من حيث المبدأ عملًا سياديًا، لكن هذا لا يعني أنه فعل خارج القانون. فالاعتراف، حين يُستخدم لتكريس انفصال إقليم عن دولة قائمة، يصبح مقيّدًا بقواعد آمرة تهدف إلى حماية الاستقرار الدولي.
القاعدة المستقرة في القانون الدولي واضحة:
الاعتراف الأحادي لا يُنشئ دولة، ولا يمنحها شرعية قانونية دولية.
حتى محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الشهير حول كوسوفو، لم تمنح أي غطاء قانوني عام للانفصال الأحادي، بل أكدت أن:
• إعلان الاستقلال لا يعني الشرعية،
• والاعتراف مسألة سياسية لا تُلزم أحدًا،
• وحالة كوسوفو لا تشكل سابقة عامة.
ومع ذلك، يُصرّ بعض المدافعين عن الاعتراف الإسرائيلي على استدعاء كوسوفو كذريعة، في توظيف انتقائي ومضلل للقضاء الدولي.
من عدم الاعتراف إلى واجب عدم الاعتراف
في حالات المساس الجسيم بمبدأ سلامة الأراضي، لا يكتفي القانون الدولي بمنح الدول حرية عدم الاعتراف، بل يفرض عليها واجبًا إيجابيًا بعدم الاعتراف بأي وضع قانوني ناشئ عن هذا الخرق.
هذا ما كرّسته الجمعية العامة للأمم المتحدة صراحة في حالة شبه جزيرة القرم، حين دعت جميع الدول إلى عدم الاعتراف بأي تغيير في الوضع الإقليمي ناتج عن إجراءات أحادية.
وبالقياس القانوني السليم، فإن الاعتراف بأرض الصومال، دون موافقة الصومال ودون إطار أممي، يقع ضمن المنطق نفسه، حتى لو اختلف السياق الجغرافي والسياسي. فالعبرة ليست بالنوايا، بل بخرق القاعدة القانونية.
جنوب السودان: المثال الذي يدين الاعتراف الإسرائيلي
غالبًا ما يُستحضر مثال جنوب السودان لتبرير الاعترافات الانفصالية، لكن هذا المثال، بدل أن يدعم الاعتراف الإسرائيلي، يفضح عدم مشروعيته.
جنوب السودان لم ينفصل:
• إلا بموافقة الدولة الأم،
• وبموجب اتفاق سلام دولي،
• واستفتاء شعبي تحت إشراف أممي،
• واعتراف دولي جماعي ومنسق.
أما أرض الصومال، فلم تحظَ بأي من هذه الشروط.
المقارنة هنا ليست فقط غير دقيقة، بل مخالِفة للمنهج القانوني السليم.
بلا مواربة، يمكن توصيف الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال على النحو التالي:
• انتهاك لمبدأ سلامة الأراضي المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة؛
• تدخل غير مشروع في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة؛
• خرق لواجب عدم الاعتراف بالأوضاع غير القانونية؛
• تصرف أحادي بلا أي أثر قانوني دولي ملزم.
أي أن هذا الاعتراف ليس “موقفًا شجاعًا”، ولا “قراءة واقعية”، بل سابقة قانونية خطيرة تُضعف أحد آخر الضمانات المتبقية لاستقرار النظام الدولي.
وفي الختام حين تُفرَّغ قواعد القانون الدولي من مضمونها باسم المصالح والبراغماتية، لا يبقى من النظام الدولي سوى شكله. والاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ليس مجرد خطوة معزولة، بل اختبار صارخ لمدى التزام الدول بقواعد يفترض أنها ملزمة للجميع.
في هذا الاختبار، اختارت إسرائيل الوقوف خارج القانون الدولي، لا إلى جانبه. والنتيجة ليست فقط تقويض سيادة الصومال، بل الإسهام في إضعاف منظومة قانونية يدّعي الجميع الدفاع عنها، بينما يخرقونها عند أول منعطف سياسي.







