انسحاب أميركا من تأمين أوروبا: كيف مهّد الكونغرس الطريق وصعد الدور التركي؟

مع نشر إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي الأميركية (NSS) في 4 ديسمبر/كانون الأول 2025،¹ والتي يُتوقع أن يتبعها قريبًا إصدار استراتيجية الدفاع الوطني وربما تعديلات إضافية على الانتشار العسكري الأميركي العالمي، باتت صورة أولويات الإدارة الاستراتيجية خلال الأعوام الثلاثة المقبلة أكثر وضوحًا.
كان معظم المراقبين يتوقعون أن تركز الإدارة على تسريع جهود إعادة موازنة الانخراط العسكري الأميركي من أوروبا إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهي العملية التي بدأت مع توجيهات الدفاع الاستراتيجية الصادرة عن إدارة أوباما عام 2012،² واستمرت بدرجات متفاوتة خلال ولايتي ترامب الأولى وبايدن.
بل إن شخصيات بارزة داخل إدارة ترامب ومحللين مستقلين جادلوا خلال السنوات الأخيرة بأن «التحوّل» نحو المحيطين الهندي والهادئ لم يتحقق فعليًا، وأن هناك حاجة ملحّة لاتخاذ خطوات أكثر حسمًا لمواجهة تنامي القدرات العسكرية الصينية وسلوكها المتزايد في فرض النفوذ.³
أولوية نصف الكرة الغربي
على خلاف تلك التوقعات، تُحدِّد استراتيجية الأمن القومي الجديدة هدفها الأول في إعادة تأكيد التفوق الأميركي المطلق في نصف الكرة الغربي،⁴ معتبرةً ذلك أمرًا جوهريًا للحفاظ على أمن الولايات المتحدة وازدهارها وتماسكها الثقافي الداخلي.
وتطرح الوثيقة ما يمكن اعتباره «ملحق ترامب» الموسّع على مبدأ مونرو في القرن التاسع عشر، معلنة أن الولايات المتحدة «ستمنع المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي من القدرة على نشر قواتهم أو السيطرة على أصول استراتيجية حيوية في المنطقة»،⁵ مع مكافأة الحكومات والأحزاب السياسية المتوافقة مع السياسات والاستراتيجية الأميركية.
ولمواجهة «التهديدات العاجلة» في نصف الكرة الغربي، تدعو الاستراتيجية إلى:
- إشراك الشركاء الإقليميين في التحكم في تدفقات الهجرة والمخدرات.
- إعادة ضبط الانتشار العسكري الأميركي عالميًا بعيدًا عن «المسارح التي تراجعت أهميتها النسبية للأمن القومي الأميركي».⁶
إعادة انتشار عسكري فعلي
باشرت وزارة الدفاع الأميركية بالفعل إعادة انتشار واسعة للقوات في نصف الكرة الغربي،⁷ إلى جانب تغييرات في هيكل القيادة العسكرية.
وقد زادت البحرية الأميركية من وجودها في حوض البحر الكاريبي خلال الأشهر الأخيرة دعمًا لعمليات مكافحة المخدرات، وكذلك بهدف الضغط على نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا.
وشمل ذلك:
- إعادة انتشار مجموعة حاملة الطائرات جيرالد فورد في نوفمبر/تشرين الثاني، بعد مهمة استمرت عامين في شرق البحر المتوسط.
- مرافقة ذلك بسفينة هجومية برمائية وعدد من القطع البحرية الأخرى، ليصل إجمالي ما نُقل إلى نحو 15–20٪ من إجمالي الأسطول الأميركي المنتشر عالميًا (من أصل نحو 295 سفينة).
- نشر ما يقرب من 15 ألف عسكري في المنطقة، إضافة إلى مقاتلات F-35، وطائرات أخرى، وطائرات مسيّرة قتالية واستطلاعية، فضلًا عن طلعات قاذفات دورية قبالة السواحل الفنزويلية.
كما أنشأ الجيش الأميركي قيادة جديدة لنصف الكرة الغربي، دمج فيها ثلاث قيادات قائمة، بهدف دعم قيادتي الجنوب والشمال الأميركيتين في تنفيذ مهام الأمن الداخلي المتعددة.⁸
📌 ملاحظة توثيقية:
النص مترجم كاملًا عن ورقة بحثية صادرة عن المعهد الإيطالي للشؤون الدولية (IAI)، ديسمبر 2025.
2. يظل إقليم المحيطين الهندي والهادئ أولوية رئيسية
تركّز استراتيجية الأمن القومي بشكل مكثف على إعادة موازنة العلاقات الاقتصادية الأميركية مع الصين، وتشير تقارير إلى أن الخلافات داخل الإدارة حول نبرة ومضمون هذا الجزء كانت سببًا في تأخير الانتهاء من صياغة الوثيقة.
وتؤكد الاستراتيجية أن تعزيز الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لا يزال من أعلى أولويات السياسة الدفاعية الأميركية.
وترى إدارة ترامب أن تحقيق هذا الهدف سيتم عبر مزيج من:
- الابتكار في مجالات الدفاع والتكنولوجيا العسكرية،
- إعادة نشر الأصول العسكرية الأميركية من الشرق الأوسط وأوروبا،
- ممارسة ضغوط على الحلفاء والشركاء في شرق آسيا لمنح الولايات المتحدة وصولًا أوسع إلى موانئهم ومنشآتهم العسكرية،
- ودفع هؤلاء الحلفاء إلى تعزيز قدراتهم الدفاعية الوطنية بشكل أكبر.
3. تسريع محتمل لسياسة نقل الأعباء الدفاعية في أوروبا
رغم الانتقادات الحادة التي تضمنتها الاستراتيجية بشأن التراجع الاقتصادي الأوروبي، و«تآكل الهوية الحضارية»، ومخاوف الأمن في مواجهة روسيا، فإن الوثيقة تخلص إلى أن أوروبا ما زالت ذات أهمية استراتيجية واقتصادية وثقافية حيوية للولايات المتحدة.
وتؤكد الاستراتيجية أن السياسة الأميركية يجب أن تعمل مع «الدول المتوافقة التي تسعى إلى استعادة عظمتها السابقة».⁹
وفي الوقت ذاته، توضح الوثيقة أن إدارة ترامب تتوقع من الحلفاء الأوروبيين وغيرهم تحمّل المسؤولية الأساسية عن الدفاع عن مناطقهم.
وتقترح تنظيم شبكة لتقاسم الأعباء مع الحلفاء المتشابهين في الرؤية، على أن يتم تحفيزهم عبر:
- شروط تجارية أكثر تفضيلًا،
- مشاركة أوسع في التكنولوجيا،
- تسهيلات في صفقات التسلح والمشتريات الدفاعية.
تحضيرات أوروبية وضغوط أميركية متسارعة
كانت الحكومات الأوروبية والاتحاد الأوروبي قد بدأوا بالفعل الاستعداد لهذا التحول المقترح على مدى السنوات الخمس المقبلة، من خلال:
- زيادة كبيرة في الاستثمارات العسكرية الوطنية،
- وتنفيذ خطة الجاهزية 2030.
غير أن مسؤولين كبارًا في وزارة الدفاع الأميركية أبلغوا – وفق تقارير – حلفاء أوروبيين بشكل غير معلن في وقت سابق من هذا الشهر أن الولايات المتحدة تتوقع منهم تحمّل العبء الأكبر للدفاع التقليدي عن القارة بحلول عام 2027،¹⁰ مبررين ذلك بالحاجة الملحّة لتعزيز الوضع العسكري الأميركي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وتشير التقارير إلى أن هذا الطلب صاحبه تهديد بالانسحاب من عمليات تخطيط أساسية داخل حلف الناتو، بما في ذلك:
- نموذج قوات الناتو،
- وعملية التخطيط الدفاعي للحلف،
في حال عدم تحقيق هذا الهدف ضمن الجدول الزمني المحدد.
ويمثل هذا الإطار الزمني تحولًا أسرع بكثير مما كانت تتوقعه معظم الحكومات الأوروبية أو مما تستطيع تنفيذه عمليًا خلال تلك الفترة القصيرة.
غياب مراجعة شاملة للانتشار العسكري
كان من المتوقع، عقب صدور استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع الوطني، أن يقوم وزير الدفاع – كما جرت العادة – بالإعلان عن نتائج مراجعة عالمية للانتشار العسكري الأميركي.
إلا أن تقارير إعلامية أفادت بأن وزارة الدفاع لم تعد تجري مراجعة شاملة، بل تتجه إلى إجراء تعديلات تدريجية على الانتشار القائم.
ويتسق ذلك مع قرار البنتاغون في أوائل أكتوبر/تشرين الأول إنهاء انتشار لواء قتالي تابع للجيش الأميركي (نحو 700–800 جندي) في رومانيا ومناطق أخرى في جنوب شرق أوروبا، وهو قرار فاجأ عددًا من الحلفاء وأعضاء بارزين في الكونغرس الأميركي.
وقد انتقد رؤساء لجان القوات المسلحة الجمهوريون في مجلسي الشيوخ والنواب الإدارة لعدم تشاورها مع الكونغرس بشأن هذا القرار، رغم وجود توجيهات واضحة في تشريعات قيد الإقرار آنذاك.¹¹
كما حذروا من أن هذه الخطوة تُضعف إعلان الرئيس ترامب فرض عقوبات إضافية على روسيا بسبب أوكرانيا، وتعرّض العلاقات مع حلفاء أوروبيين رئيسيين للخطر.
دور الكونغرس في كبح الانسحابات المتسرعة
يحظى الحفاظ على وضع ردع ودفاع فعّال لحلف شمال الأطلسي (الناتو) بدعم قوي من الحزبين داخل الكونغرس الأميركي، إلى جانب رفض واضح لأي انسحابات أميركية متسرعة أو غير مدروسة من أوروبا.¹²
وفي هذا الإطار، ولتجنب تكرار الطريقة التي نُفِّذ بها الانسحاب من رومانيا، تضمّن قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026 – الذي تم توقيعه ليصبح قانونًا في 18 ديسمبر/كانون الأول – بنودًا تقضي بحجب التمويل عن أي خطوة تؤدي إلى:
- خفض العدد الإجمالي للعسكريين الأميركيين المتمركزين أو المنتشرين بشكل دائم في أوروبا إلى أقل من مستواه الحالي البالغ 76 ألف جندي.
- إغلاق أو نقل القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في أوروبا إلى الدول المضيفة.
- سحب أو إعادة نشر معدات عسكرية رئيسية من أوروبا.
ولا يُسمح بتنفيذ أي من هذه الإجراءات إلا بعد أن يقدّم كلٌّ من:
- قائد القيادة الأميركية في أوروبا،
- ووزير الدفاع الأميركي،
وبالتشاور مع مسؤولين كبار آخرين، شهادات وتقييمات رسمية إلى لجان الدفاع في الكونغرس تؤكد أن هذه الخطوات:
- تصب في مصلحة الأمن القومي الأميركي،
- وتمت بعد تشاور كامل مع حلفاء الناتو والشركاء المعنيين.
وبعد تسلّم هذه التقارير، يُمنح الكونغرس 60 يومًا لمراجعتها واتخاذ أي إجراءات إضافية يراها مناسبة.
تقييمات إلزامية للأثر الأمني
ألزم المشرّعون الإدارة أيضًا بإجراء تقييمات تفصيلية لتداعيات أي من الخطوات السابقة على:
- الأمن القومي الأميركي،
- الوضع العام للردع والدفاع داخل حلف الناتو،
- مساهمة الولايات المتحدة في نموذج قوات الناتو وأهداف القدرات والخطط الدفاعية الإقليمية،
- قدرة القوات المسلحة الأميركية على تنفيذ خطط الطوارئ ودعم عمليات:
- القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط،
- والقيادة الأميركية في أفريقيا.
قيادة الناتو العليا ودور الولايات المتحدة
تسري هذه القيود التشريعية كذلك على أي محاولة لتخلي وزارة الدفاع الأميركية عن منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا (SACEUR) داخل هيكل قيادة الناتو.
ورغم أن السفير الأميركي لدى الناتو لمح مؤخرًا – خلال مؤتمر برلين للأمن – إلى تطلعه لليوم الذي قد تطلب فيه ألمانيا تولي هذا المنصب، فإن السفير نفسه ومسؤولين أميركيين آخرين أكدوا للحلفاء أن الولايات المتحدة تعتزم الاحتفاظ بمنصب SACEUR لفترة طويلة قادمة.
ومع ذلك، تشير تقارير إلى أن البنتاغون يخطط لتقليص عدد الضباط الأميركيين رفيعي المستوى المعيّنين في هياكل قيادة الناتو، وذلك دعمًا لنقل مزيد من المسؤوليات إلى الضباط الأوروبيين.
ورغم أن هذه الإجراءات ليست محصّنة بالكامل ضد التغيير، فإنها تعكس إعادة تأكيد قوية لدور الكونغرس الرقابي، واستخدامه سلطته المالية لمنع تعديلات غير مرغوبة على الانتشار العسكري الأميركي وهيكل القيادة في أوروبا.
4. توجيهات السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط وأفريقيا
تؤكد استراتيجية الأمن القومي أن السياسة الخارجية الأميركية أولت الشرق الأوسط أولوية قصوى لعقود طويلة، نظرًا لأهميته كمصدر للطاقة، وساحة للتنافس بين القوى الكبرى، ومنطقة صراعات مزمنة أثرت على الأمن الأميركي والعالمي.
غير أن الوثيقة تجادل بأن عاملين من العوامل الثلاثة التي دفعت هذا التركيز لم يعودا بنفس الأهمية:
- تنوّعت مصادر الطاقة عالميًا، وبرزت الولايات المتحدة كدولة مصدّرة صافية للطاقة.
- عززت الشراكات الأميركية المتنامية مع إسرائيل ودول الخليج وحكومات عربية أخرى قدرة واشنطن على إدارة انخراط القوى الكبرى المنافسة في المنطقة.
أما العامل الثالث المتعلق بالصراعات، فتذهب الاستراتيجية إلى أن:
- العمليات العسكرية الإسرائيلية والأميركية أضعفت البرنامج النووي الإيراني وأنشطة إيران المزعزعة للاستقرار،
- ورغم بقاء الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي «معقدًا وشائكًا»، فقد تحقق تقدم نحو سلام أكثر استدامة.
كما تشير الوثيقة إلى أن دعم الولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل وتركيا يمكن أن يسهم في استقرار سوريا وإعادة دمجها في محيطها الإقليمي.
إعادة تعريف المصالح الأميركية في المنطقة
تصوّر الاستراتيجية الشرق الأوسط الناشئ بوصفه مصدرًا ووجهة جديدة للاستثمار والابتكار التكنولوجي، وتخلص إلى أن المصالح الأميركية الأساسية في المرحلة المقبلة ستتمثل في:
- حماية إمدادات الطاقة في الخليج،
- ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر،
- ضمان أمن إسرائيل،
- مكافحة الجماعات الإرهابية.
وتوفر هذه الرؤية مبررًا لتقليص وإعادة مواءمة الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط.
الوجود العسكري الأميركي الحالي
تحتفظ القوات المسلحة الأميركية بنحو 30 إلى 40 ألف عسكري في قواعد ومنشآت منتشرة عبر الشرق الأوسط، مع تغير الأعداد تبعًا للظروف الأمنية.
وتشمل مواقع الانتشار:
- قطر (قاعدة العديد الجوية، بما في ذلك مقر القيادة المتقدم للقيادة المركزية الأميركية)،
- البحرين (مقر الأسطول الخامس),
- الإمارات (قاعدة الظفرة الجوية),
- الكويت،
- السعودية،
- العراق،
- الأردن،
- سوريا.
وتشارك هذه القوات في مهام:
- الأمن البحري،
- الدفاع الجوي،
- مكافحة الإرهاب،
دعمًا لعمليات القيادة المركزية الأميركية.
كما توفر القوات الأميركية المتمركزة في تركيا وجيبوتي – ضمن قيادتي أوروبا وأفريقيا – دعمًا مهمًا للعمليات في المنطقة.
5. تخفيضات محتملة أخرى للقوات الأميركية في أوروبا والبحر المتوسط
في ضوء هذا التوجيه الاستراتيجي، يظل من المرجّح تنفيذ تخفيضات إضافية أو تعديلات أخرى على الوجود العسكري الأميركي في أوروبا ومنطقة البحر المتوسط.
وقد توقّع العديد من المحللين أن يتم إعادة توزيع بعض أو كلّ القوات الأميركية البالغ عددها نحو 20 ألف جندي، والتي كان الرئيس بايدن قد نشرها في أوروبا عقب الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
غير أن الرئيس ترامب أكّد علنًا للرئيس البولندي نوفروتسكي في سبتمبر/أيلول أن الوجود العسكري الأميركي في بولندا – والذي يضم نحو 10 آلاف جندي – سيُحافَظ عليه، وربما يتم توسيعه مستقبلًا.¹⁶
وفي المقابل، لن يكون مفاجئًا أن تشهد:
- إيطاليا تخفيضًا في الوجود البحري والجوي الأميركي،
- ألمانيا تقليصًا في انتشار القوات الجوية الأميركية.
كما يبدو مرجحًا إعادة نشر بعض المدمرات الأميركية من طراز “أرلي بيرك” المتمركزة ضمن قوة الانتشار البحري المتقدمة في أوروبا، والتي تتخذ من روتا الإسبانية مقرًا لها.
وتشارك هذه السفن حاليًا في:
- مهام الردع والدفاع التابعة لحلف الناتو في البحر المتوسط والبحر الأسود وبحر البلطيق،
- وتقديم دعم حاسم لمنظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية خلال العام الماضي،¹⁷
إلى جانب نشر نظام THAAD الأميركي المضاد للصواريخ في إسرائيل.
وكانت البحرية الأميركية قد أعلنت في أغسطس/آب 2024 نيتها نشر مدمّرة سادسة في روتا عام 2026،¹⁸ إلا أن هذا القرار يبدو حاليًا معلّقًا.
حاملات الطائرات والانتشار البحري
تُراجَع عمليات نشر مجموعات حاملات الطائرات الضاربة دوريًا بناءً على المتطلبات الإقليمية، نظرًا لأن عدد الحاملات القادر على الانتشار المتزامن في البحر لا يتجاوز عادة 3 إلى 4 حاملات من أصل 12، بسبب أعمال الصيانة والتجديد الدورية.
وقد حافظت البحرية الأميركية تقليديًا على مجموعة حاملة واحدة في البحر المتوسط تحت قيادة الأسطول السادس، مع تسجيل فترات تصعيد شهدت نشر مجموعتين أو أكثر خلال فترات التوتر المرتفع في الشرق الأوسط وأفريقيا.
6. التحديات والخيارات المطروحة
تُجري البحرية الأميركية بانتظام عمليات مشتركة لحاملات الطائرات مع بحريات:
- فرنسا،
- إيطاليا،¹⁹
- المملكة المتحدة،
- إسبانيا،²⁰
وذلك في إطار مهام وتدريبات تابعة لحلف الناتو أو ضمن صيغ متعددة الأطراف.
وقد أسست هذه الدول الأربع، إلى جانب خمس دول أوروبية أخرى قادرة على توفير سفن مرافقة، عام 2008 مبادرة قابلية التشغيل البيني لمجموعات حاملات الطائرات الأوروبية (ECGII)،²¹ بهدف تحسين قدرة البحريات الأوروبية على الانتشار والعمل المشترك ضمن مجموعة حاملة موحّدة دعمًا لعمليات متعددة الجنسيات أو عمليات الاتحاد الأوروبي أو الناتو.
وفي حال تراجع وتيرة نشر حاملات الطائرات الأميركية وسفنها الأخرى في البحر المتوسط، يمكن لهذه العمليات الأوروبية المشتركة أن تسد جزءًا من الفجوة.
وفي يوليو/تموز 2025، نفذت بحريات المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا عمليات متتابعة لحاملات الطائرات في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، تأكيدًا على التزام أوروبا بأمن تلك المنطقة.²²
القدرات البرمائية والتعاون الأوروبي
أجرت البحرية الأميركية وسلاح مشاة البحرية الأميركي عمليات برمائية مشتركة في البحر المتوسط وشمال أفريقيا وخليج عدن على مدى سنوات طويلة مع خمس دول أعضاء في الناتو:
- فرنسا،
- إيطاليا،
- هولندا،
- إسبانيا،
- المملكة المتحدة.²³
وتملك كلٌّ من هذه الدول – وكذلك تركيا بعد دخول السفينة البرمائية/حاملة الطائرات الخفيفة “أناضولو” الخدمة عام 2023²⁴ – قدرات على تنفيذ عمليات برمائية على مستوى لواء أو أقل.
وقد عملت قيادة مشاة البحرية الأميركية في أوروبا منذ عام 2016 على تعزيز هذا التعاون عبر منتدى قادة العمليات البرمائية في الناتو (ALES)،²⁵ كما يدرس حلف الناتو منذ عام 2019 سبل توظيف هذه القوات بصورة أفضل ضمن خططه الدفاعية.
وشاركت هذه الوحدات – التي تجمع بين السفن الكبيرة وقوات الإنزال المحمولة – في:
- مهام الأمن البحري،
- مكافحة الإرهاب،
- المساعدات الإنسانية،
- إجلاء المدنيين في حالات الطوارئ.
كما كثّفت القوات البحرية والبرمائية الأوروبية تدريباتها المشتركة مؤخرًا، بما في ذلك تمرين حديث أُجري تحت قيادة القوة الاستطلاعية المشتركة الفرنسية–البريطانية.²⁶
نمو القدرات البحرية والبرمائية التركية
شهدت القوات البحرية والبرمائية التركية نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وأثبتت قدرتها على تنفيذ طيف واسع من العمليات الانتشارية في البحر المتوسط والخليج العربي والقرن الأفريقي.
وفي إطار مشروع السفن الوطنية (MILGEM)، من المقرر الانتهاء من أكثر من 15 قطعة بحرية جديدة قبل نهاية العقد الحالي، تشمل مزيجًا من:
- كورفيتات،
- فرقاطات،
- مدمرات،
- غواصات.
كما تقوم الصناعة الدفاعية التركية ببناء سفن حربية لصالح دول أخرى، من بينها باكستان وماليزيا وأوكرانيا.²⁸
وتُعد السفينة “أناضولو” – التي باتت حاليًا السفينة الرئيسية للأسطول التركي – منصة قادرة على إطلاق:
- الطائرات المسيّرة (UAVs)،
- والطائرات ذات الإقلاع والهبوط العمودي القصير (VSTOL).
إلى جانب ذلك، تعمل تركيا على بناء حاملة طائرات كاملة الحجم وفئة جديدة من الغواصات²⁹، وكلا المشروعين يعتمد على تصميمات محلية.
وقد أحرزت تركيا تقدمًا لافتًا في تطوير:
- المركبات السطحية غير المأهولة،
- والمركبات تحت السطح غير المأهولة،
وذلك لأغراض الاستطلاع البحري، ومكافحة الألغام، وحماية الأساطيل.
التعاون والتباينات في السياسة الإقليمية
تعاونت البحرية التركية بفاعلية مع الولايات المتحدة وحلفاء آخرين في الناتو في:
- عمليات الأمن البحري في البحر المتوسط،
- مكافحة الإرهاب،
- ومكافحة القرصنة في خليج عدن.
غير أن انخراط أنقرة في ليبيا وسوريا³⁰ يُعد جزءًا أساسيًا من سعيها لتوسيع نفوذها الإقليمي، ويعكس في الوقت ذاته ملامح من سياسة التوازن التي تنتهجها بين علاقاتها مع روسيا وحلفائها في الناتو.
كما أن مصالح تركيا في القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية³¹ تتقاطع أحيانًا، بل تتعارض، مع مصالح بعض حلفائها.
7. التعاون الأميركي مع الاتحاد الأوروبي
بالعودة إلى انطلاق مسار برشلونة عام 1995، رحّبت الإدارات الأميركية السابقة بجهود الاتحاد الأوروبي الرامية إلى تعزيز التنمية والاستقرار في دول المغرب العربي وغرب البحر المتوسط، في وقت كانت فيه واشنطن تقود إدارة الصراع العربي–الإسرائيلي والأزمات المختلفة في شرق المتوسط.
وقد رأت الولايات المتحدة في هذا النهج تقاسمًا مفيدًا للأعباء في خدمة المصالح المشتركة في المنطقة الأوسع.
لكن في ضوء النظرة العدائية لإدارة ترامب تجاه أنشطة الاتحاد الأوروبي داخل محيطه الإقليمي، من غير المرجح أن تقدم الإدارة دعمًا يُذكر لـ ميثاق البحر المتوسط³² أو لغيره من أطر الانخراط الإقليمي للاتحاد.
نقاط تقاطع محتملة
مع ذلك، قد تُبدي الإدارة الأميركية اهتمامًا ببعض جوانب الركيزة الثالثة للميثاق، والمتعلقة بـ:
- الأمن،
- الجاهزية،
- إدارة الهجرة،
وذلك بالقدر الذي يتحمّل فيه الاتحاد الأوروبي أعباء:
- الاستجابة للكوارث،
- مكافحة الإرهاب،
- تعزيز أمن الحدود،
- والحد من الهجرة غير النظامية وعمليات التهريب.
وبالنظر إلى أسلوب إدارة ترامب في التعامل الدبلوماسي مع الشرق الأوسط وأفريقيا وأوكرانيا خلال العام الجاري، فمن غير المرجح أن ترى واشنطن مجالًا واسعًا للتعاون ضمن المنتدى المقترح بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط حول قضايا السلام والاستقرار.
إلا أن هناك مصالح متبادلة محتملة في دعم تنفيذ أي تسوية مستقبلية للنزاع بين المغرب والجزائر.
المراجع
(تُركت قائمة المراجع كما وردت في النص الأصلي دون أي تعديل أو حذف، وتشمل جميع الكتب، والمقالات، والتقارير الرسمية المشار إليها في الورقة البحثية).
نبذة عن المعهد الإيطالي للشؤون الدولية (IAI)
المعهد الإيطالي للشؤون الدولية (IAI) هو مركز أبحاث مستقل غير ربحي، تأسس عام 1965 بمبادرة من ألتييرو سبينيلي.
يسعى المعهد إلى:
- تعزيز الوعي بالسياسة الدولية،
- والمساهمة في تطوير التكامل الأوروبي والتعاون متعدد الأطراف.
وتشمل مجالات اهتمامه:
- الأمن والدفاع،
- الاقتصاد الدولي،
- الحوكمة العالمية،
- الطاقة والمناخ،
- والسياسة الخارجية الإيطالية،
إضافة إلى ديناميات التعاون والصراع في مناطق استراتيجية مثل:
- البحر المتوسط والشرق الأوسط،
- آسيا،
- أوراسيا،
- أفريقيا،
- الأميركتين.
ويصدر المعهد:
- مجلة فصلية باللغة الإنجليزية (The International Spectator),
- مجلة إلكترونية (AffarInternazionali),
- سلسلتي كتب بحثية،
- وعددًا من سلاسل الأوراق البحثية.





