مقالات وآراء

د.تامر المغازي يكتب: سوريا المنسوجة عائلات بين الإسلام والمسيحية.. وجذور يهودية

في أزقة دمشق القديمة ودرعا وحارات حلب العتيقة، تحتفظ العائلات السورية بذاكرة غنية متناقلة عبر الأجيال، تحمل في طياتها قصصاً عن هويات متعددة ومتداخلة.

بين تلك القصص، تبرز ظاهرة مثيرة للاهتمام عائلات سورية مسلمة ومسيحية تحتفظ بذاكرة أو أدلة على أصول يهودية، تروي قصة سوريا المتعددة الأديان والثقافات.

ذاكرة محفورة في الأسماء والعادات تتحدث أم يوسف (68 عاماً) بحنين عن جدتها التي كانت تحتفظ بمخطوطة صغيرة بالعبرية “كنا نسميها ‘الكتاب الغريب’، وكانت تخبئه ككنز ثمين.

لاحقاً فهمنا أنه جزء من تراثنا المنسي”.

في حي القصاع بدمشق، يوضح باحث تاريخي “الكثير من العائلات السورية تحمل أسماء عائلية أو ألقاباً يمكن تتبع أصولها إلى الجذور اليهودية، سواء تلك التي اعتنقت المسيحية في فترات مبكرة، أو تلك التي اعتنقت الإسلام لاحقاً”.

بين التحول الديني والانتماء الوطني فقد شهد التاريخ السوري تحولات دينية متعددة عبر القرون.

بعض العائلات اليهودية اعتنقت المسيحية في القرون الأولى للمسيحية، وبعضها اعتنق الإسلام بعد الفتح الإسلامي، بينما حافظت عائلات أخرى على هويتها اليهودية حتى القرن العشرين”.

ويضيف “ما يميز الحالة السورية هو قدرة هذه العائلات على الاندماج الكامل في النسيج الاجتماعي مع الحفاظ على ذاكرة أصولها ويمكن ديانتهم الاصليه في الخفاء كجزء من تاريخ العائلة دون تناقض مع هويتها الدينية الحالية”.

عادات متوارية بين الأجيال


تظهر هذه الجذور المشتركة في عادات وتقاليد عائلية مميزة، سمر (34 عاماً) من عائلة مسيحية دمشقية تروي “في عائلتنا، كنا نحتفظ بطهي بعض الأطباق بطريقة معينة في أيام الجمعة، وهي عادة اكتشفت لاحقاً أنها مرتبطة بتراث يهودي سابق”.

من جهته، يشارك محمد (42 عاماً) من حلب “جدي كان يحكي عن طقوس خاصة في الزواج في عائلتنا، تشبه طقوساً يهودية، رغم أننا مسلمون منذ أجيال طويلة”.

تحديات الهوية والذاكرة


تحمل هذه القصص تحديات خاصة للعائلات المعنية، بعضها يخشى الحديث عن هذه الجذور في ظروف المنطقة المضطربة، بينما يتعامل آخرون مع الأمر كجزء طبيعي من تاريخهم دون تعقيدات.

تقول لينا، طالبة جامعية من عائلة مسيحية “في البداية كانت المعلومة صادمة، لكنني الآن أعتز بتنوع جذوري.

هذا يجعلني أشعر أنني جزء من سوريا الحقيقية سوريا التعددية”.

تأكيد أكاديمي وحذر اجتماعي


فيؤكد الباحثون أن هذه الظاهرة موثقة تاريخياً، لكنهم يحذرون من المبالغة في تفسيرها. الهوية السورية دائماً كانت مركبة، والحديث عن أصول مشتركة لا يقلل من انتماء الناس الحالي لأديانهم وهوياتهم الثقافية .

في الواقع، هذه القصص تذكرنا بأن التعايش في سوريا ليس شعاراً بل حقيقة تاريخية عاشها أجدادنا، حيث تمكنت عائلات من نفس الجذور من العيش في انسجام رغم اختلاف انتماءاتها الدينية اللاحقة .

مستقبل الذاكرة المشتركة


فاليوم وفي ظل التحديات التي تمر بها سوريا، يبدو أن بعض العائلات أصبحت أكثر حرصاً على توثيق تاريخها المتنوع، بينما يفضل آخرون الصمت.

لكن المؤكد أن هذه الخيوط الخفية في النسيج الاجتماعي السوري تظل شاهداً على تعقيد وتنوع تاريخ هذه الأرض التي كانت، ولا تزال، ملتقى للحضارات والأديان.

سوريا التي عرفت دائماً كفسيفساء من الأديان والثقافات، تثبت مرة أخرى أن هويتها أغنى مما تبدو عليه، حيث تختزن في عائلاتها ذاكرة حية عن تقاطع المسارات الدينية والثقافية، تروي قصة أعمق وأكثر تعقيداً من أي خطاب أحادي عن الهوية.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى