مقالات وآراء

أسامة بديع يكتب : لعنة الاستهداف السياسي… كيف تقتل الأحزاب نفسها ببطء

في قلب الأزمة الحزبية التي تعيشها السياسة المصرية، تقف لعنة صامتة لكنها مدمرة، اسمها “الاستهداف السياسي”،
هذه ليست لعنة عشوائية، ولا صراع أجيال بريئًا، بل ممارسة واعية تقوم بها قيادات حزبية ضد كوادرها، خاصة من جيل الوسط والشباب، بدافع الخوف لا بدافع التنظيم، وبمنطق الإقصاء لا بمنطق البناء.

ما يجري داخل عدد غير قليل من الأحزاب ليس خلافًا في الرؤى،
بل سياسة ممنهجة لتجفيف منابع الكوادر، فكل كادر يبرز كسياسي بارع، وكل من يملك قبولًا، وكل من يحاول أن يكون فاعلًا لا تابعًا، يجد نفسه في دائرة الاستهداف إما بالتشكيك، أو بالتهميش، أو عرقلة، وأحيانًا دفع مباشر نحو الانسحاب، والنتيجة واحدة أحزاب بلا دماء جديدة، وبلا صف ثانٍ، وبلا مستقبل.

الخطورة الحقيقية أن هذا الاستهداف يطال جيل الوسط تحديدًا،
وهو الجيل الذي يُفترض أن يكون حلقة الوصل بين الخبرة والشباب، وبين التاريخ والمستقبل. حين يتم تفريغ هذا الجيل، لا تخسر الأحزاب كوادر فقط، بل تخسر الاستمرارية نفسها، لا يعود هناك من يتعلم ولا من يتدرج، ولا من يستلم الراية حين يحين وقت التغيير.

المفارقة المؤلمة أن كثيرًا من رؤساء الأحزاب الذين يمارسون هذا الاستهداف،
هم أنفسهم نتاج سياسات تقليدية أثبتت فشلها. فشل في جذب المواطنين، وفشل في توسيع القواعد الشعبية، وفشل في تحويل الحزب إلى رقم حقيقي في المعادلة السياسية وبدلا من مراجعة هذه السياسات، وبدلًا من فتح الباب أمام أفكار وأساليب جديدة يتم اختيار الطريق الأسهل وهو حماية المناصب الحزبية عبر إقصاء من قد ينجح حيث فشلوا.

الأحزاب، في أصل فكرتها ليست أندية مغلقة ولا ممتلكات خاصة،
بل “مساحات آمنة” أو منصات لتأهيل وصعود القيادات، ودورها الطبيعي أن تفتح مسارات التقدم، لا أن تغلقها خوفًا من المنافسة، وأن تُنتج صفوفًا قادرة على الاستمرار، لا أن تُقصيها حفاظًا على مواقع جامدة. الحزب الذي لا يصنع بدائل، يحكم على نفسه بالانكشاف عند أول أزمة.

الأخطر من الاستهداف ذاته، هو تحوّله إلى سياسة غير مكتوبة لكنها مطبقة بدقة،
سياسة عنوانها “لا صوت يعلو فوق صوت الرئيس”، ولا مستقبل لمن يملك حضورًا أو قبولًا أوسع، وللأسف بعض رؤساء الأحزاب لا يديرون تنظيمًا سياسيًا، بل يحرسون مواقعهم، ويتعاملون مع الحزب كملكية خاصة لا ككيان عام. كل كادر يصعد يُنظر إليه كتهديد، وكل شاب يلمع يُعامل كخطر يجب إخماده مبكرًا، وهكذا تتحول الأحزاب من أدوات تغيير إلى أجهزة ضبط داخلي مهمتها حماية القيادة لا صناعة البديل، وضبط الداخل لا مخاطبة الشارع، وفي هذه الحالة لا يصبح فشل الحزب في الشارع مفاجئًا، بل نتيجة منطقية لبيت سياسي يخاف من أبنائه أكثر مما يخاف من منافسيه.

الأكثر تناقضًا أن بعض هذه القيادات لا تتوقف عن المطالبة بتداول السلطة على مستوى الدولة،
وتقديم نفسها كجزء من مشروع ديمقراطي، بينما في الداخل الحزبي تقوم بتعديل اللوائح، وتُفصل القواعد، وتُغلق المسارات، فقط لضمان بقاء رئيس الحزب مدى الحياة. هذا التناقض لا يقتصر على ضرب المصداقية فقط، بل يفرغ فكرة الديمقراطية من مضمونها الحقيقي.

استهداف بعض رؤساء الأحزاب لكوادرهم لا يقتصر على الإقصاء من المناصب الداخلية أو الترشيحات في المجالس المنتخبة،
بل في بعض الأحيان يكون السبب المباشر وراء سجن هؤلاء الكوادر، رغم أن المفترض أن الحزب يعمل على حماية كوادره والسعي للإفراج عنهم.

في أي حياة سياسية سليمة، يجب أن تحمي الأحزاب حقوق كوادرها في المشاركة والصعود،
وتضمن لهم فرصًا عادلة للتدرج، دون خوف من الانتقام أو الإقصاء. الاستهداف السياسي لا يصنع استقرارًا، بل فراغًا، ومع كل كادر ينسحب، وكل شاب يُقصى، وكل طاقة تُهدر، تبتعد الأحزاب خطوة إضافية عن الشارع، وتتحول من أدوات تمثيل إلى هياكل خاوية. لا يمكن لحزب يخاف من كوادره أن يكون ركيزة لأي تحول سياسي جاد.

لعنة الاستهداف لا تقتل أشخاصًا، بل تقتل الفكرة الحزبية نفسها،
تقتل الأمل في تداول حقيقي للسلطة الحزبية، وفي صف ثانٍ لديه الجاهزية، وفي حياة سياسية قابلة للتجدد. وإذا استمرت هذه الممارسات، فلن تجد القيادات من ينافسها، لكنها أيضًا لن تجد من يصدقها، أو يلتف حولها، أو يدافع عنها.

السياسة لا تُدار بالخوف، ولا تُحمى بالإقصاء،
الأحزاب التي تريد البقاء عليها أن تتعلم كيف تحمي كوادرها، لا كيف تتخلص منها، وإما أن تكون الأحزاب مساحات حقيقية لتأهيل وصعود القيادات، أو تتحول، بإرادتها إلى كيانات بلا روح “تنتظر نهايتها ببطء”.

إن استمرار هذا النهج يحول الأحزاب إلى مقابر للكوادر الجديدة،
حيث تُستنزف الطاقات الواعدة قبل أن تأخذ فرصتها الطبيعية فالقيادات التي تختار حماية مواقعها على حساب جيل الوسط والشباب لا تحمي الحزب، بل تفرغه من معناه ودوره، فهذه سلطة هشة من الداخل، تفتقد القوة الحقيقية، وتتسبب في تراكم غضبًا صامتًا وقطيعة متزايدة مع القواعد، وفى النهاية فإن لعنة الاستهداف لن تطال أفرادًا بعينهم، بل ستصيب الأحزاب نفسها في جوهرها وقدرتها على الاستمرار.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى