مقالات وآراء

أسامة رشدى يكتب : حين يتحول الحليف إلى خطر: اليمن، الإمارات، وتطويق السعودية

ما يجري في اليمن اليوم لم يعد مجرد خلاف تكتيكي داخل معسكر “التحالف”، بل بات صراعًا مفتوحًا على النفوذ، يُنذر بتداعيات خطيرة على وحدة اليمن وعلى أمن المنطقة بأكملها.

استهداف الطيران السعودي لإمدادات عسكرية قادمة من الإمارات ليس حادثًا عابرًا، بل مؤشر واضح على وصول التناقضات إلى مرحلة الصدام العلني.

فقرار المجلس الانتقالي الجنوبي الموالي للإمارات بالدخول العسكري إلى حضرموت والمهرة يُخلّ بالتوازن الهش الذي كان قائمًا، ويشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السعودي، ويفتح الباب واسعًا أمام سيناريو تقسيم اليمن، في ظل دعوات متصاعدة من حلفاء أبوظبي لإعلان ما يسمّى “استقلال الجنوب”.

وفي موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل الغزل السياسي المتزايد بين المجلس الانتقالي الجنوبي وإسرائيل، في مسعى مكشوف للحصول على اعتراف متبادل والانضمام لما يعرف بالاتفاق الإبراهيمي.
اعتراف بكيان انفصالي ناشئ في جنوب اليمن، مقابل دعم سياسي وأمني لهذا المشروع، ضمن شبكة نفوذ إقليمي ترعاها الإمارات وتوظّفها لخدمة مصالحها الاستراتيجية.

هذا المسار لا يستهدف وحدة اليمن فقط، بل يفتح بابًا بالغ الخطورة لتحويل الجنوب اليمني إلى منصة نفوذ للكيان المحتل لفلسطين على البحر العربي وباب المندب، بما يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي، وعلى رأسه الأمن السعودي، والمصري، ويفرض وقائع جيوسياسية جديدة من الخاصرة الجنوبية للمملكة.

وهنا تتكشف الكذبة الكبرى والتدليس السياسي الذي مارسته ونجحت فيه الإمارات، وجرّت إليه السعودية، عبر إضفاء لافتة “مكافحة الإرهاب” وشيطنة الإخوان المسلمين على كل سياسات العدوان والغدر والتقسيم.
فهذا الشعار لم يكن يومًا مشروعًا حقيقيًا للأمن والاستقرار، بل غطاءً لتوسيع النفوذ، وتمرير مشاريع تفكيك الدول، وتعزيز حضور الكيان الذي يحتل فلسطين وحليفته الإمارات، على حساب الأمن القومي السعودي والمصري والأمن الإقليمي برمّته.

في المقابل، جاء موقف الحكومة اليمنية الشرعية واضحًا وصريحًا، بالمطالبة بانسحاب القوات الإماراتية من اليمن خلال 24 ساعة، في إقرار رسمي بأن ما تقوم به أبوظبي لم يعد دعمًا للشرعية، بل تقويضًا لها.

الواقع أن هناك أطماعًا إماراتية متنامية في اليمن، تُدار على حساب السعودية، رغم أن الرياض هي الداعم الأساسي للمجلس الرئاسي، ولخيار وحدة اليمن، ولمنع سقوطه الكامل في مشاريع التفكيك.

الأخطر من ذلك، أن هذه السياسات لا تُضعف اليمن فحسب، بل تسهم في إضعاف وحصار السعودية سياسيًا وأمنيًا، عبر فتح جبهات توتر حولها، واستنزافها في ملفات مترابطة، من اليمن إلى السودان، ومن القرن الأفريقي إلى الصومال.

السعودية اليوم أمام تحدٍ استراتيجي حقيقي.
إعادة تقييم ما يجري حولها إقليميًا.
مراجعة طبيعة تحالفاتها.
طرح أسئلة جادة حول مستقبل مجلس التعاون الخليجي.
والاعتراف بأن السياسات التي سُوّقت تحت عناوين براقة أوصلت المنطقة إلى هذه اللحظة الحرجة.

فإما قراءة جديدة للواقع والتحالفات،
أو الاستمرار في إدارة الأزمات حتى تتحول إلى تهديد وجودي.

التاريخ لا يرحم من يتأخر أو يتجاهل الإشارات.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى