
دراسة قانونية وجيوسياسية في تفكيك الدولة الوطنية وتداعياته على الأمن الإقليمي
ماذا بعد فلسطين والصومال
” اليمن – سوريا – ليبيا – السودان – العراق .. “
مقدمة
يشهد النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة تصاعداً ملحوظاً في النزعات الانفصالية وإعادة رسم الخرائط السياسية تحت ذرائع متعددة، من بينها “حق تقرير المصير”، و“حماية الأقليات”، و“دعم تطلعات الشعوب”. إلا أن هذه الذرائع كثيراً ما تُستَخدم بصورة انتقائية تخدم مصالح قوى إقليمية ودولية بعينها، وتتناقض في جوهرها مع المبادئ المستقرة للقانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها.
في هذا السياق، يثير أي اعتراف إسرائيلي بأرض الصومال—سواء أكان فعلياً أو مطروحاً في الخطاب السياسي والإعلامي—مخاوف قانونية وجيوسياسية عميقة، لا تقتصر على القرن الإفريقي فحسب، بل تمتد آثارها المحتملة إلى العالم العربي بأكمله، في ظل بيئة إقليمية هشة تعاني أصلاً من النزاعات الداخلية والتدخلات الخارجية.
أولاً: الإطار القانوني الدولي لمسألة الاعتراف بالدول
1. الاعتراف في القانون الدولي العام
يُعد الاعتراف بالدول أحد أكثر القضايا حساسية في القانون الدولي. فوفقاً لميثاق الأمم المتحدة، يقوم النظام الدولي على احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول (المادتان 2/1 و2/7).
كما أن القانون الدولي العرفي، وقرارات الجمعية العامة، تؤكد أن الاعتراف بالكيانات المنفصلة عن دول قائمة يجب أن يتم في إطار توافق دولي واضح، وليس بقرارات أحادية تخدم مصالح سياسية ضيقة.
أرض الصومال، رغم إعلانها الانفصال عن الصومال عام 1991، لم تحظَ حتى اليوم باعتراف أممي، ولا تُعد دولة ذات سيادة في القانون الدولي، وفقاً لموقف الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي.
2. مبدأ وحدة الأراضي مقابل تقرير المصير
يُساء كثيراً استخدام مبدأ تقرير المصير لتبرير الانفصال. غير أن محكمة العدل الدولية أكدت في آرائها الاستشارية أن تقرير المصير لا يعني بالضرورة الانفصال، خاصة عندما يؤدي ذلك إلى تقويض استقرار الدول أو إشعال نزاعات إقليمية.
وفي هذا السياق، فإن أي دعم خارجي لانفصال إقليم داخل دولة عضو في الأمم المتحدة يُعد انتهاكاً غير مباشر لوحدة الأراضي، ويفتح الباب أمام فوضى قانونية تهدد النظام الدولي ذاته.
ثانياً: الاعتراف الإسرائيلي وأبعاده الجيوسياسية
1. الموقع الاستراتيجي لأرض الصومال
تقع أرض الصومال في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسياً، مطلة على خليج عدن وقريبة من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
هذا الموقع يجعل الإقليم محط اهتمام قوى إقليمية ودولية تسعى إلى توسيع نفوذها العسكري والأمني في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
تشير تحليلات صادرة عن مراكز أبحاث غربية إلى أن أي انخراط إسرائيلي في هذه المنطقة لا يمكن فصله عن التنافس الدولي على الممرات البحرية، وتأمين خطوط التجارة والطاقة.
2. البعد الأمني والعسكري
ترى دول عربية عدة أن أي وجود إسرائيلي—مباشر أو غير مباشر—في القرن الإفريقي قد يشكل اختراقاً للأمن القومي العربي، نظراً لارتباط البحر الأحمر والخليج العربي بالأمن الاستراتيجي لدول المنطقة.
وتحذّر دراسات استراتيجية من أن هذا الوجود قد يتحول لاحقاً إلى شبكة تحالفات أمنية أو قواعد لوجستية تؤثر في موازين القوى الإقليمية.
ثالثاً: المخاوف في باقي الدول العربية والمنطقة
1. سابقة خطيرة لتفكيك الدول العربية
أحد أخطر تداعيات الاعتراف بأي كيان انفصالي هو تحويله إلى سابقة قابلة للتكرار.
في العالم العربي، حيث تعاني دول عدة من نزاعات داخلية، يبرز الخوف من أن يُستخدم هذا النموذج لتبرير:
• الاعتراف بانفصال جنوب اليمن
• دعم كيانات منفصلة في شرق ليبيا
• تكريس واقع الانقسام في شمال شرق وجنوب سوريا
. العراق
• تعميق تفكك السودان بعد انفصاله إلى دولتين، مع احتمال نشوء كيانات إضافية
هذه السيناريوهات لا تُطرح كفرضيات نظرية فحسب، بل تناقشها تقارير وتحليلات سياسية دولية في سياق “إعادة رسم الخرائط” في الشرق الأوسط
2. إضعاف الدولة الوطنية وتعزيز الفوضى
الدولة الوطنية في العالم العربي تعاني أصلاً من تحديات بنيوية. وأي دعم خارجي للنزعات الانفصالية يُسهم في:
• إضعاف مؤسسات الدولة
• تعميق الانقسامات العرقية والطائفية
• إطالة أمد النزاعات المسلحة
• فتح المجال أمام التدخلات الخارجية
وهو ما يتعارض مع مبادئ الاستقرار الإقليمي التي ينادي بها القانون الدولي.
رابعاً: التناقض القانوني والأخلاقي في الموقف الإسرائيلي
يثير الاعتراف بكيانات انفصالية تساؤلات قانونية وأخلاقية جدية، خصوصاً في ظل اتهامات دولية موجهة لإسرائيل بانتهاك القانون الدولي الإنساني.
فقد أصدرت محكمة العدل الدولية أوامر مؤقتة تتعلق بالوضع في غزة، وأشارت إلى وجود مخاطر جدية تستدعي التزام إسرائيل باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية.
هذا الواقع يضعف من أي خطاب يدّعي “دعم حقوق الشعوب”، ويكشف تناقضاً بين الممارسة السياسية والالتزامات القانونية الدولية.
خامساً: التداعيات على النظام الإقليمي والدولي
1. تقويض قواعد القانون الدولي عبر تكريس الاعترافات الانتقائية
2. تعزيز منطق القوة على حساب الشرعية الدولية
3. زيادة هشاشة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي
4. إضعاف الثقة في النظام الدولي ومؤسساته
وفي الختام إن خطورة أي اعتراف إسرائيلي بأرض الصومال لا تكمن في البعد الدبلوماسي الضيق، بل في ما يحمله من دلالات استراتيجية وقانونية بعيدة المدى.
فمن منظور عربي وإقليمي، يشكل هذا المسار تهديداً مباشراً لوحدة الدول الوطنية، ويفتح الباب أمام موجة جديدة من التفكك وعدم الاستقرار، في منطقة لا تحتمل مزيداً من الأزمات.
وعليه، فإن التصدي لهذه التوجهات يتطلب موقفاً عربياً ودولياً موحداً، يعيد الاعتبار لمبادئ القانون الدولي، ويمنع استخدام “حقوق الشعوب” كغطاء لإعادة هندسة المنطقة وفق مصالح قوى خارجية.







