
منذ عقود، لعب حزب البعث العراقي دورًا معقدًا في المشهد السياسي الأردني، حيث استغل الأوضاع الإقليمية لتحقيق أهدافه. ارتبط هذا التداخل بعدد من الاستراتيجيات التي تضمنت شراء الذمم والأصوات، واستغلال النفوذ السياسي والإعلامي وبنفس الطريقة استخدمت المخابرات الأردنية بذكاء وسائلها لاستقطاب البعض منهم وجعلهم وزراء في حكومات أردنية مختلفة فكانوا الحليف لها ضد البعث المتفشي .
شراء الذمم والأصوات
استفاد حزب البعث من الأزمات الإقليمية، عموما منذ الخمسينيات ومن ثم خاصة الحرب على إيران واحتلال الكويت، لتعزيز نفوذه في الأردن. تمثلت إحدى استراتيجياته في شراء الأصوات من خلال تقديم الحوافز المادية، مثل كوبونات النفط والسيارات والشقق للصحفيين وبعض اعضاء المجالس المنتخبة ، وغيرها من الأمور والماديات . هذه الممارسات ساهمت في خلق شبكة من الولاءات التي دعمت موقف الحزب في دعم المرشحين في الانتخابات النقابية والسياسية في الأردن مما يعتبر تدخلا صريحا في ادارة الدولة الأردنية . وفي بعض المراحل تغاضت الحكومة الأردنية عن هذا التداخل لضرب التيارات الإسلامية وتحديدا الاخوان المسلمون عندما تتطلب الراعي الامريكي ذلك حينها.
السيطرة على الإعلام
لعب بعض من اصحاب الأقلام وبعض من الصحافة و الاذاعة في الإعلام الأردني دورًا حاسمًا في تعزيز صورة الحزب عموما وصدام خصوصا . وقام حزب البعث بشراء العديد من الكتاب والأقلام في الصحف ووسائل الإعلام الأردنية، مما مكنه من تشكيل الرأي العام لصالحه والتأثير على جموع الشعب البسيط و الامين .
هذه السيطرة على الإعلام كانت تتضمن تقديم الدعم المالي للصحفيين والإعلاميين، وشقق وسيارات وزيارات للعراق واقامات خمس نجوم في فندق الرشيد ببغداد وشيكات ماليه وغيرها مما أدى إلى تكوين صورة إيجابية تغاير الواقع الحقيقي و المرير من معاناة العراق في أوساط الجمهور الأردني وهو سرعان ما انكشف بسقوط النظام و الإطاحة بتمثال صدام بيد العراقيون آنفسهم ورمي التمثال بالأحذية في المشهد المذل الذي تناقلته كل وسائل الاعلام في العالم .
التدخل في الانتخابات الأردنية
لم يقتصر تأثير حزب البعث على الإعلام فقط، بل امتد ليشمل الانتخابات النقابية والنيابية . استخدم الحزب نفوذه المالي لتمويل مرشحيه، مما ساعده على تحقيق مكاسب في النقابات المهنية. هذه الاستراتيجية كانت تهدف إلى تعزيز وجوده في مختلف القطاعات، وبالتالي التأثير على القرار السياسي في الأردن.
محاولة التآمر من خلال مجلس التعاون العربي
في سياق سعيه لتحقيق أهدافه، قام حزب البعث بمحاولة التآمر مع مجلس التعاون العربي، واعلن صدام رغبته في توحيد صفوف القوات الجوية المصريه و الأردنية و اليمنية و العراقية بهدف احتلال الكويت وهو ما تصدى له الرئيس حسني مبارك وإعلانه الصريح ( إلا الجيوش العسكرية) رافضا احتلال الكويت الذي كان رفضا قاطعا ضم عدة دول عربية.
هذه التحالفات السياسية كانت تهدف من وجهة نظر الرئيس صدام حسين إلى تعزيز موقف الحزب في الخليج العربي، وتوزيع ثروات الخليج على الدول العربية وابتزاز الخليجيون وتحديدا السعودية و الكويت ، ثم بعدها وأثناء حرب الخليج استخدم صواريخ على إسرائيل كوسيلة عاطفية لجذب الانتباه إلى قضيته بوقوفه تجاه فلسطين، مما ساعد في تعزيز صورته كمدافع عن القضايا العربية.
التبرؤ بعد رحيل صدام
بعد إعدام صدام حسين، بدأ العديد من أعضاء حزب البعث في التبرؤ من الحزب ورفض الانتماء إليه. على الرغم من أنهم كانوا جزءًا من النظام الذي حكم العراق بالحديد والنار، إلا أن الظروف الجديدة سمحت لهم بإظهار مشاعر الكراهية تجاه صدام ونظامه. كانت العديد من هذه التصريحات تعبيرًا عن الخوف من الانتقام أو للبحث عن قبول في الأوساط الجديدة التي نشأت بعد سقوط النظام.
كراهية العراقيون لصدام حسين
كان العراقيون يعانون من قسوة حكم صدام، حيث تعرض المعارضون للإعدام والاعتقال. ومع رحيل النظام، بدأت ملايين الأصوات تُظهر رفضها لصدام، وكأنها لم تكن جزءًا من هذا النظام. هذا التناقض بين ما كان يجري في الخفاء وما ظهر بعد الرحيل يعكس عمق المعاناة التي عاشها الشعب العراقي.
النهاية المفاجئة
عندما انتهت مهمة حزب البعث، خاصة بعد احتلال الكويت ثم تحريرها وتغير المعادلات الإقليمية، تعرض الحزب للتهميش والجيش للتفكيك . العلاقات التي بناها العراق في الأردن بدأت تتفكك، حيث تخلت عنه العديد من الشخصيات السياسية و الأقتصادية التي استفادت من دعمه وبقيت بعض الصور له على سيارات مواطنين اردنيين بسطاء .
واقصد إن تداخل حزب البعث العراقي في الأردن كان نتيجة لاستراتيجيات معقدة تتضمن شراء الذمم وتأثير الإعلام والتدخل في الانتخابات. ومع تغير الظروف السياسية، أصبح تأثير الحزب أقل وضوحًا خصوصا بعد ان تم حله وخروج رموزه منه بل الاعتراض على كثير من سياساته من قبلهم وفضح لعلاقاته مؤامراته علي الشعب العراقي العظيم وشراؤه الولائات مما يعكس طبيعة العلاقات السياسية المتغيرة في المنطقة.
كما تُظهر الأحداث بعد رحيل صدام كيف أن نظامه كان يحكم من خلال الخوف والترهيب والدولة البوليسية وكيف يمكن أن تتحول الولاءات بسرعة في ظل الظروف المتغيرة.







