مقالات وآراء

عبد الرحيم على يكتب : البتاعة والبتاع… وعبقرية الأبنودي

ما بيتوبوش،
ولا اللي فات علّمهم،
ما بيسمعوش في الدنيا إلّا كلامهم،
مالهمش في حوار النبات والطين.

هل كان الخال عبد الرحمن الأبنودي يعلم أن «البتاعة والبتاع» الذين أشار إليهم بوضوح، عندما أهداني ديوانه الأخير «مربعات الأبنودي» في أبريل من عام 2014، سيخلفهم من يُشبههم، يتسلّلون إلى مؤسساتٍ مهمّة ونقاباتٍ عريقة، تحت ستار الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، ثم لا يلبثون أن يخطفوها، ليُقيموا فيها ديكتاتوريتهم وأيديولوجياتهم المريضة؟
وهل كان الأبنودي يتصوّر أننا، بعد ثورةٍ عظيمة في 30 يونيو 2013 أطاحت بأسلافهم وأذاقتهم مرّ الهوان، سنُفاجأ بعودة نفس الوجوه الحمقاء، تطلّ علينا بسحناتها الغبيّة، تُهدّد وتتوعد كطبلٍ أجوف، على طريقة من سبقوهم، حين لوّحوا باعتصامي رابعة والنهضة في وجه المصريين؟!

كتب الخال في الإهداء الذي ما زلت احتفظ به في مكتبتي : «إلى الرجل الشجاع، الذي كشف كذب البتاعة والبتاع، والذي يستمد شجاعته من حلم يحاول أن يقبض عليه ويجلبه لشعبه وثورته، إلى أخى عبد الرحيم على، أمده الله بشجاعة المواصلة نحو النور».
نعم، نحوَ النور، وليس الظلام الذي يريدوننا أن نَعبرَ إليه على جسورٍ شيّدوها بالحقد والعَنَت والغباء، محاولين الثأرَ ممّن أذاقوا رفاقهم وحلفاءهم من الإخوان، وحركة 6 أبريل، وأنصار علاء عبد الفتاح ورفاقه مُطلِقي شعار «يسقط حكم العسكر»، مرَّ الهوان؛ ذلك الشعارُ الذي ما زالت صفحاتُهم البائسة تتزيّن به، دون خجلٍ أو إحساسٍ بضرورة الاعتذار، لعائلات من ضحّوا بحياتهم فداءً لهذا البلد، ممّن أسموهم «العسكر».

في آخرِ مكالماتٍ جرت بيني وبين الخال، أوصاني على مصر قائلًا:
«لا تتركِ الخونة، طاردهم حتى قبورهم».

كان ما بيني وبينه مشاعرُ الغريبِ والغُربة؛
عِشنا في القاهرة، لكننا أبدًا لم ننتمِ إليها. كانت جذورُنا تشدّنا إلى حيث وُلدنا وترعرعنا، ولعبنا وصادقنا، إلى سنواتِ التكوينِ الأولى في مدنِ النخلِ المنسيّة في صعيدِ مصر.

وعندما كنا نشارك، أنا وهو، السيناريست الكبير وحيد حامد الإعداد لمسلسل «الجماعة» تقابلنا في «جراند حياة»، فاجأنى الخال بالقول:
«كتبت الأرض للبنات ولا لسه، لم يدر بخلدى ما كان يدور بخلد الخال، كنت أعتقد أنه يداعبني كعادته، ولكننى فوجئت بعلامات الجدة ترتسم على وجهه: أنا باتكلم معاك بجد، الجماعة دول مش هيسيبوك، الحق اكتب كل اللى حيلتك لبناتك، مش عندك تلاتة، قلت له وعندى كمان «خالد» يا خال، ابتسم الشاعر الكبير وقال لي: لحقت تجيبلك حتة واد.. كويس».

قبل ثلاثة أشهر من وفاته قالت لى ابنتى شاهندة: عايزة أكلم الأستاذ عبد الرحمن..
قلت لها مستنكرا: مين عبد الرحمن؟! فلم أعهد أن أنطق باسمه، كنت دائما أناديه بالخال ككل أصدقائه ومريديه وعشاقه، قالت لى أقصد الخال، وعندما طلبته وأعطيتها السماعة ليتحدث معها عادت إلىّ فرحة للغاية، قال لها الخال ما كان يقوله لى ليشجعنى على الاستمرار، وظلت شاهندة تحكى لأصدقائها ما قاله لها الخال عنى حتى اليوم، فهى تعرف جيدا قيمة الخال في المجتمع المصرى والعربى كواحد من أهم حكماء عصرنا.

تعلمنا من الخال كيف نحب بلادنا من خلال إبراهيم أبو العيون،
وعندما كان يسألنى أصدقائى بعد وصول الإخوان إلى السلطة: لماذا لا تهاجر؟ كنت أرد بنفس الطريقة التي رد بها عم إبراهيم أبوالعيون على الخال عندما سأله بعد هزيمة يونيو: لماذا لم تترك تلك الأرض كما هاجر الجميع يا عم إبراهيم؟ كانت إجابة الرجل التي خطها الأبنودى في ديوانه العبقرى «وجوه على الشط» تسكننى دائما: «الناس بتفر يا ولدى بعمرها وانا عمرى قدامك في الأرض دي، آخده واروح بيه على فين».

كان اعتقادي، ولم يزل، هو ما علمنى إياه الخال عبد الرحمن الأبنودي،
الوطن هو الديانة، والوطن من غير ما نواجههم خيانة، اصلب عودنا من قراءة شعره، وغزا الشيب رأسنا من حفظ أبياته. الخال لم يكن شاعرنا المحبب وفقط ولكنه كان الأب والصديق، مؤرخ عمرنا، وأيامنا، عرفنا من خلاله كيف تسبب تعالى الشيوعيين على الناس في فقد تعاطفهم معهم ومع أفكارهم، من خلال «إذا مش نازلين للناس فبلاش»، وتعرفنا على عمق هزيمة يونيو من خلال أغنيته الشهيرة التي صدح بها صوت العندليب عبد الحليم حافظ: «عدى النهار، والمغربية جاية، بتتخفى ورا ضل الشجر، وعشان نتوه في السكة، شالت من ليالينا القمر».

تعرفنا على فلسفة الموت مع قصيدته الرائعة: «يامنة»،
«إذا جاك الموت يا وليدى اشلح اجلح إنت الكسبان، إوعى تحسبها حساب.. بلا واد بلا بت، ده زمن يوم ما يصدق كداب». ولما جه الموت نفذ الأبنودى وصية العمة يامنة حرفيا، لم يحاول كما قالت له إنه يزود يوم عن يومه، لأنه اللى يحاول يزود يوم عن يومه حمار، والأبنودى كان إنسانا، لكن مش زى إنسان هذا العصر، فلم يكن أبدا خوانا، ولا إخوان، ولو من حلفائهم أو عاصري الليمون.. كان يكره سيرة الإخوان كما يكره سيرة الصهاينة ، كان بيحب الشعر والفقرا ومصر وبناته، آية ونور.

هل كان الموت هو ما هزم الأبنودى أم عراكه المستمر طوال السنوات التي تلت الخامس والعشرين من يناير 2011، هو ما أتعب قلبه وأسلمه للموت؟،
فرح الأبنودى بالثورة وغنى لها، وإذا بالصوص يأتون فيسرقونها منه ومنا، ليحزن الأبنودى ويبدأ معركته من جديد، «مش مكتوبلنا الراحة يا وليدي.. قال لي، أنا وانت اتخلقنا للمعارك والحزن وبس.. إنما الفرح يا خال له ناسه..».

وأنا على العهد، يا خال،
لن أكفّ عن قتالهم لحظة، حتى يَتطهّر هذا البلد من قذارتهم، هم وحلفاؤهم من أصحاب شعارات 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين، وأعداء جيش مصر العظيم ورجاله.

الذين رفعوا في وجه شهدائه وأولادهم شعار:
«يسقط حكم العسكر».

“سأطاردهم، يا خال، حتى قبورهم، لن أخشى أحدًا منهم”.

ووعدٌ عليّ أن أزفّ لك خبر سَجنهم، قريبًا،
كما سجنا أسلافهم بعد وعد وعدناه إياهم على الملأ في ميدان التحرير يوم 17 مايو 2013 وهم في قمة سلطتهم.

فنَمْ قريرَ العين … وانعم بالسلام.

باريس : الخامسة مساء بتوقيت القاهرة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى