
في لحظةٍ إقليميةٍ تتكاثف فيها الغيوم، وتتعانق فيها الأزمات على نحوٍ يربك البوصلة ويختبر الحكمة، تبدو الساحة اليمنية مرآةً صادقة لاختلالات الإقليم، كما تبدو في الوقت ذاته ساحةً محتملة لاستعادة المعنى الأصيل للسياسة: أن تكون جسراً لا متراساً، ومساحةَ جمعٍ لا ميدانَ كسر.
اليمن، هذا البلد الذي أنهكته الجغرافيا حين ثقلت عليه السياسة، لم يكن يوماً أزمةً محليةً صِرفة، بل ظل عقدةً إقليمية تتقاطع فيها المصالح والهواجس، وتتزاحم فوق أرضه حسابات القوى أكثر مما تتزاحم آمال أبنائه. ومع ذلك، يبقى جوهر المسألة واضحاً: شرعيةٌ يجب أن تُصان، ودولةٌ ينبغي أن تُستعاد، وشعبٌ لا يستحق أن يكون وقوداً لصراعٍ مفتوح على المجهول.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة الدور السعودي والإماراتي خارج إطار المسؤولية الإقليمية التي فرضتها تطورات الواقع، ولا خارج منطق دعم الشرعية ومنع انهيار الدولة اليمنية بالكامل. غير أن السياسة، مهما بلغت صلابتها، تظل بحاجة إلى نَفَسٍ آخر يكمّلها؛ نَفَسٍ يُحسن الإصغاء بقدر ما يُحسن الحسم، ويعرف متى يلوّح بالقوة ومتى يقدّم الكلمة.
هنا تحديداً، يبرز سؤال اللحظة: أليس هذا هو وقت الدبلوماسية؟ لا دبلوماسية البيانات الباردة، بل دبلوماسية الحكمة المتراكمة، تلك التي لا تبحث عن صورةٍ عاجلة، بل عن نتيجةٍ مستدامة. ومن بين كل مدارس العمل الدبلوماسي في الإقليم، تظل التجربة الكويتية نموذجاً مختلفاً، لا لأنها كانت بعيدة عن الصراعات، بل لأنها كانت قريبة من الإنسان قبل الموقف، ومن التوافق قبل الغلبة.
لقد عرفت الكويت، عبر تاريخها الحديث، كيف تحوّل موقعها الجغرافي المحدود إلى أفقٍ سياسيٍ واسع، وكيف تجعل من الحياد موقفاً فاعلاً لا انسحاباً سلبياً. وكان الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، رحمه الله، تجسيداً نادراً لهذا الفهم العميق؛ رجل دولة آمن بأن الوساطة ليست ضعفاً، بل شجاعةٌ من نوعٍ آخر، وأن جمع الخصوم على طاولة واحدة قد يكون أصعب، وأشرف، من تسجيل انتصارٍ عابر في ميدان الصراع.
ولم تكن وساطات الكويت في الشأن اليمني حدثاً طارئاً أو نزوةً دبلوماسية، بل امتداداً طبيعياً لدورها التاريخي. من استضافة الحوارات، إلى محاولة رأب الصدع بين الفرقاء، ظل الموقف الكويتي ثابتاً في جوهره: دعم الشرعية، ورفض الانقلاب على الدولة، مع الإصرار في الوقت ذاته على أن الحل السياسي ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية لليمن والمنطقة معاً.
إن الإقليم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى مساحات تهدئة؛ لا يحتاج إلى رفع السقوف، بل إلى خفض النبرة؛ لا يحتاج إلى خطاب الغلبة، بل إلى منطق الغاية. فالسجع جميلٌ حين يخدم المعنى، والمعنى هنا أوضح من أن يُزخرف: اليمن لن يخرج من أزمته إلا بتسويةٍ تحفظ كرامة الدولة، وتُنهي معاناة الإنسان، وتراعي هواجس الجوار دون أن تصادر مستقبل الداخل.
ولعل من أبلغ ما قيل قديماً:
وإذا كانت النفوسُ كباراً
تعبت في مرادها الأجسامُ
فمراد السلام كبير، ومراد الاستقرار أكبر، ولا يليق بهما إلا جهد الكبار. واليوم، تبدو الحاجة ماسة إلى أن تعود الدبلوماسية الكويتية إلى واجهة المشهد، لا بديلاً عن أدوار الآخرين، بل مكمّلةً لها، ومخففةً من حدّتها، ومذكّرةً الجميع بأن السياسة، في أصلها، فن الممكن… وفن الحكمة قبل كل شيء.
في زمنٍ تضيق فيه الخيارات، يبقى باب الحوار، مهما بدا ضيقاً، أوسع من فوهة مدفع، وأبقى من صدى صراع. وربما كان في استدعاء إرث الحكمة الكويتية، وفي استلهام نهج الشيخ صباح الأحمد، ما يعيد للتوازن الإقليمي شيئاً من اتزانه، ولليمن أملاً لا يقوم على السلاح، بل على العقل.







