
من منّا لم يشاهد ذلك الساحر الذي يمدّ يده إلى جيب ضيّق صغير، فينساب منه خيط ملوّن كأنه قصيدة مناديل لا تنتهي، حتى يخرج في نهايتها حمامة بيضاء يطلقها في سماء العرض لتخطف أنفاس الجمهور. هكذا تماماً يقف مصطفى مدبولي على مسرح السياسة والاقتصاد، يلوّح لنا بحمامة سحرية اسمها “خفض الديون” بأدوات لا نعرف عنها الكثير. إنه كبير السحرة الذي يعدنا بمعجزات اقتصادية، بينما نحن نحاول أن نفهم من أين جاءت تلك الحمامة البيضاء.
الأرقام تتحدث بصراحة أكثر من السحرة: في 2025، بلغ الدين العام لمصر ما يقارب 85% من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لتقديرات البنك الدولي، وارتفعت أعباء خدمة الدين لتتجاوز 50 مليار جنيه في ربع واحد، مما يشكل ضغطاً هائلاً على الموازنة. (وفقا لبيانات البنك المركزي).
أحد الاحتمالات المطروحة هو نقل الديون إلى البنك المركزي، وهو ما يُسمي “حل حسن هيكل”، أي نقل جزء من الدين إلى البنك المركزي مقابل حصوله على أصول من الدولة. هذا الاقتراح قوبل برفض كبير من الدوائر الاقتصادية والمالية لأنه يعني عملياً بيع الأصول الوطنية عبر قنوات خلفية، دون حل جوهري للأزمة.
الاحتمال الآخر وهو الأرجح: “الموازنة الموحّدة”، حيث تُجمع كل الهيئات والصناديق في موازنة واحدة، فتنخفض نسب الدين ظاهرياً لأن الناتج المحسوب سيصبح أكبر.
لكن هذا “السحر المحاسبي” لا يقلل من الرقم المطلق للديون، بل يخفيها خلف ستار السيرك الاسود بأرقام ونسب جديدة.
قد تغري في الاستمرار في أصل البلوي.
أما الاحتمال الأكثر إثارة للجدل فهو “صفقة التنازلات”، حيث يجري الحديث في الكواليس عن إمكانية تخفيف الديون مقابل تنازلات سياسية إقليمية أو حلول على حساب قضايا مثل التهجير أو القضية الفلسطينية. هذا السيناريو، إن صح، يضع مصر أمام ثمن أخلاقي وتاريخي باهظ لا يقل خطورة عن أعباء الديون نفسها.
في الختام، نقول للساحر: الاقتصاد لا يؤمن بالسحر. لا حمامة بيضاء ستحلّ معضلة الديون إلا بالعمل الحقيقي، وزيادة الإنتاج، وتخفيض الاقتراض. أما عروض السحرة، فربما تُبهر للحظة، لكنها لا تبني مستقبلاً.
وكل عام وانتم بخير
ان شاء الله يتغير السيرك
و السحره في 2026….







