مقالات وآراء

عبد الرحيم على يكتب : صباحٍ يشبه الوعد

صباحٍ يشبه الوعد
غدًا يشرقُ يومٌ جديد، وعامٌ جديد؛

تلبسُ الأطفالُ في أيدي الأمهات من غير عناد،
وتبدأ “المكاكية” في حظائر الدواجن.
تدقُّ أجراسُ الكنائسِ بالفرح،
وتصدحُ المساجدُ بنداءِ فجرٍ جديد…
عيدٌ وعاديٌّ..
لكنه صباحٌ يُشبهُ الوعد،
هكذا أخبرني عرّافُ المساءِ،
وهمسَ لي في صمت:
علِّي صوتَك بالغُنا.. لِسَّهُ الأغاني ممكنة،
ولو في يومٍ راح تنكسر.. لازم تقوم واقف،
كما النخل باصص للسماء..
ولا انهزام.. ولا انكسار.. ولا خوف.. ولا.. ولا حلمٌ نابتٌ في الخلا..
غلف هذا المعنى، حياتي ولم يزل.

معاركَ عديدةً خُضتُها تحتَ هذا الشِّعار، ناسجًا من خلالهِ أُسطورتي.. لا انكسار، ولا انهزام.
الحلمُ مزروعٌ في البراح، والمروى نيل، والأرضُ طميَّةٌ سودة، والزرع عفيَّ..
أباريقُ من عسل، وصنوفٌ من طيِّباتِ الروح، طرحناها بجانب ما غرزناه في البراح، فطرح المدى أحلامًا وحواديت، طافت على ضفافِ الروح، وغلفت القلبَ بعشقِ مباح..

أُقِرُّ أنا المذكورَ أعلاهُ.. أنني متورِّطٌ تمامًا وبكاملِ إرادتي.. في تلك الحدوتة،
تلك الورطة الجميلة التي تملَّكتني منذ أربعينَ عامًا أو يزيد، منذ كان عمري عشرين.

عن أربعينَ عامًا من الشهد، أكتب،
عن شبابيكِ عمرِنا التي فتحناها مبكرًا على منير وعبد الرحيم منصور، فاتَّسعت رؤانا.. ولامسنا الحلم.. وملأتنا الدهشة.. وكأننا بنتولَد من أوَّل لمسة..
عن بريءٍ.. أسمرَ بلون الشيكولاتة.. جاء من نوبةِ مصرَ الدافئة.. فاقتحم حياتَنا بثباتٍ وثقةٍ وتفرُّد..
كان عكسَ المرحلة تمامًا.. فأنكره البعض.. واندهش البعض.. وخشي منه البعض..
أولئك الذين أدمنوا المألوفَ والسائد.. فناموا على هدهدات الرومانتيكية البليدة.. وعلى ألحان التطريب، ومفردات القواميس المستهلكة.. ومعاني الكلمات سابقةِ التجهيز.. والألحان المكرورة.

خرج الفتى الأسمر، بلون الشيكولاته، أشعثَ الشعرِ والروح،
يلهثُ من غيرةٍ على بلاده.. بسيط، من وسط الدايرة، كأنه مُوكَّلٌ بفضاءِ الروح يزرعه.. يرتِّب الطبيعة.. يهندم الأحاسيسَ والمشاعر..
يدعونا.. ليس فقط لأن نسمعه بقلوبنا ووجداننا.. ولكن؛ وعلى خُطى الجدِّ العظيم سيد درويش، يسمح لنا أن نشاركه الغناء..

غنَّى لنا.. وغنَّينا معه؛
علَّمنا حيلةً جميلة، وخبيثة، نحن العشَّاق الذين ينتابنا الخجل، ولا نملك شجاعةَ البوح بمشاعرنا لحبيباتنا –وقتها–
كنا نهمس أو نردِّد على مسامعهنَّ مقاطعَ من أغنياته..

علَّموني عنيكي أسافر..
يا عروسةَ النيل يا حتةً من السما..
يلي صورتك جوَّه قلبي ملحمة..

خلط الحبيبةَ بالوطن، والوطن بالحبيبة، فتوحَّدت العيونُ والقلوب.
فإن أصاب السهمُ قلبَ المحبوبة، خيرٌ وبركة.. وإن كان غير ذلك.. نراوغ ونقول: إنما كنا نقصد.. الوطن.

منحتنا كلماتُ عبد الرحيم منصور، وصوتُ وأحاسيسُ محمد منير، راحةً وعمقًا وخصوصية..
أغاني منير.. وقصائدُ أحمد عبد المعطي حجازي، ومحمود درويش وصلاح جاهين..
شكَّلت مفرداتِ رسائلِ غرامِنا الأوَّلى.. وحيلَنا الجميلة للتواصل مع حبيباتنا، في العشرينيات من العمر.

دعانا منير أن نكتبَ أسماءَنا، في دفترِ الوطن.. أن نتكلَّم، أن نبوح..
ليه تسكتي للزمن.. اتكلَّمي
ليه تدفعي وحدِك التمن.. اتكلَّمي

وعندما أصاب الغدرُ والإرهابُ قلبَ الوطن.. غنَّى منير: قلب الوطن موجوع.

وعندما حاول اللصوصُ المخادعون، تُجَّارُ الدين، سرقةَ مصر..
وتجريفَ تاريخها وثقافتها وفنونها.. وتحريمَ الفرحة على المصريين..
كانت أيقونةُ منير وصرختُه الخالدة:
مدد، مدد، مدد
مددُ يا رسولَ الله
أقسمتُ بالفُرقان،
وبسورةِ الإنسان،
العَدلُ في الميزان،
لكلِّ خَلْقِ الله.
مدد، مدد, مدد
مددُ يا رسولَ الله
أقسمتُ بالإسراء،
وبراءةِ العذراء،
الدَّمُ كلُّه سواء،
حرامٌ بأمرِ الله

غنى منير فخلق مانيفستو للثورةِ ضدَّ الظلم في كل مكانٍ وأيِّ زمان:
إزاي ترضيلي حبيبتي.. أتمعشق باسمك وانتي
عمَّالة تزيدي في حيرتي.. وما انتيش حاسَّة بطيبتي إزاي؟
إزاي سيباني في ضعفي.. طب ليه مش واقفة في صفِّي.
وأنا عشت حياتي بحالها عشان ملمحش في عينك خوف.
مش لاقى فى عشقك دافع.. ولا صدقى فى حبك شافع..
إزاى أنا رافع راسك .. و انتى بتحنى فى راسى
إزاى ؟
أنا لو عاشقك متخير ..كان قلبى زمانه اتغير
و حياتك لافضل أغير.. فيكى لحد ما ترضى عليه..

انحاز للبسطاء.. الفلاحين الغلابة.. العمَّال الطيابة..
غنَّى للغريب وبطولاته.. للجنود.. للبنت أم المريلة كُحلي..
للصليب.. للهلال.. للقدس.. للانتفاضة.. للشهداء.. للحياة.

أعاد اكتشافَ كنوزِ التراثِ الغنائي،
ليس في مصر فقط، وإنما على امتداد الوطن العربي..
من الجزائر والمغرب، إلى تونس وليبيا، ومن السودان، إلى لبنان والأردن وفلسطين.

من حقِّ منير أن يزهو بما قدَّم لنا..
ومن حقِّنا، وواجبِنا، أن نزهو به.. وأن نُعلن انحيازَنا ومحبتَنا له.

وأنا هنا أكتب إقراري كمتلقٍّ.. مُحبٍّ.. متورِّطٍ في عالمِ منير الغنائي..
افتتحَ بكلماتِه عامًا جديدًا بتفاؤلٍ وثقةٍ في المستقبل..
لست ناقدا ولكني منحازٌ .. نعم.. أقول ما أرى.. ما أشعر.. ما يخصُّني في تلك.. الحدوتة..
وأعرف في ذات الوقت أن الملايين يشاركونني ذلك الحبَّ والانحيازَ والعرفان لمنير..
وأيضًا يشاركونني التفاؤل والثقة في المستقبل وفي يومنا..

اللي لِسَّهُ بيجري ويعافِر،
ولِسَّهُ عيونُهُ بتسافِر،
ولِسَّهُ قلبُهُ لم يتعبْ من المشاوير.

باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى