حدث في مثل هذا اليومملفات وتقارير

“يوم السعد المر” في ذكرى مذبحة القلعة.. كيف انطوت صفحة المماليك في مصر؟

تحل اليوم ذكرى واحدة من أكثر الوقائع دموية وإثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث، وهي “مذبحة القلعة” التي وقعت في الأول من مارس لعام 1811 ميلادية. وتمثل هذه الواقعة النقطة الفاصلة التي استطاع من خلالها محمد علي باشا الانفراد بحكم مصر تماماً، بعد أن تخلص من منافسيه الأقوياء “المماليك” في خطة عسكرية محكمة اتسمت بالذكاء والدهاء السياسي بقدر ما اتسمت بالقسوة، لتنتهي بذلك حقبة من الصراعات الداخلية التي استنزفت البلاد لقرون، وتبدأ معها ملامح الدولة المصرية الحديثة.

الموكب المهيب: الفخ الذي نُصب بالقهوة والبِشر

بدأت الحكاية بدعوة من محمد علي باشا لأمراء المماليك وبكواتهم لحضور حفل فخم بقلعة الجبل، بمناسبة تولي ابنه أحمد طوسون باشا قيادة الحملة المتوجهة إلى الحجاز لمحاربة الوهابيين. استقبل الباشا ضيوفه في قاعة الاستقبال الكبرى بالترحاب والحفاوة، وقدم لهم القهوة، وأظهر لهم من الود ما طمأن قلوبهم وجعلهم يعتقدون أن عهد الشقاق قد انتهى. ومع تحرك الموكب العسكري والاحتفالي المهيب، أخذ المماليك مواقعهم في المقدمة، غير مدركين أن كل خطوة يخطونها تقربهم من ممر ضيق لا رجعة منه.

باب العزب: اللحظة التي انغلق فيها التاريخ

عند وصول الموكب إلى “باب العزب”، وتحديداً في ذلك الممر الصخري الضيق الوعر، انغلق الباب الضخم فجأة من الخارج، ليعزل المماليك تماماً عمن وراءهم. وفي صمت مريب، تسلق جنود الأرناءود الصخور المطلة على الممر، وانهال وابل من الرصاص على المماليك المحاصرين الذين لم يجدوا مكاناً للاختباء أو وسيلة للمقاومة. استمر القتل لساعات حتى امتلأ الممر بالجثث، ولم ينجُ من الموت سوى “أمين بك”، الذي سجل التاريخ قفزته الأسطورية بجواده من فوق سور القلعة الشاهق، ليكون الشاهد الوحيد على نهاية رفاقه.

شهادة “ماندريتشي”: ملامح الباشا في لحظة الحسم

وصف الطبيب الإيطالي ماندريتشي، طبيب محمد علي الخاص، حال الباشا في تلك اللحظات، مؤكداً أنه كان يعاني من اضطراب وقلق شديدين وصمت عميق، ولم يتغير لونه وينطق إلا بعد أن تأكد من إتمام المهمة. وعندما أخبره الطبيب بأن “الأمر قد قُضي وأن اليوم يوم سعده”، طلب الباشا كوباً من الماء وشربه جرعة واحدة، في إشارة إلى انتهاء عبء ثقيل كان يهدد استقرار حكمه، وإن كان الثمن نهراً من الدماء غيّر وجه التاريخ المصري إلى الأبد.

التداعيات: ولادة مصر الحديثة من رحم القلعة

رغم قسوة المشهد، يرى المؤرخون أن مذبحة القلعة كانت “شراً لا بد منه” لتوطيد أركان الدولة وتوحيد السلطة تحت قيادة مركزية واحدة. فبعد هذا اليوم، تفرغ محمد علي باشا لبناء الجيش المصري النظامي، وتطوير التعليم، والصناعة، والزراعة، مبتعداً عن نظام الإقطاع العسكري المملوكي الذي كان يحول دون أي تقدم حقيقي. واليوم، ونحن نتأمل جدران قلعة صلاح الدين، نستذكر هذا اليوم الذي انغلقت فيه أبواب عصر، لتُفتح أبواب النهضة المصرية الكبرى.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى