رحيل مهندس الصمود وإعادة بناء الجيش الفريق أول محمد فوزي

ودعت الأوساط الوطنية والعسكرية في مثل هذا اليوم من عام ألفين ميلادية قامة رفيعة ومنظماً عسكرياً فذاً وهو الفريق أول محمد فوزي الذي وافته المنية عقب رحلة حافلة بالبذل والعطاء في سبيل كرامة التراب الوطني ، ويمثل محمد فوزي أحد أبرز القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بأدق مراحل التاريخ الحديث حيث وقعت على عاتقه مسؤولية إعادة بناء القوات المسلحة من العدم عقب نكسة يونيو ألف وتسعمائة وسبعة وستين ميلادية ، وولد هذا القائد العظيم في الخامس من شهر مارس لعام ألف وتسعمائة وخمسة عشر لأسرة عسكرية عريقة حيث كان والده البكباشي أمين فوزي أحد ضباط الجيش المخلصين ، وصقل محمد فوزي موهبته القيادية بالتحاق بصفوف الكلية الحربية التي تخرج فيها عام ألف وتسعمائة وستة وثلاثين ميلادية بتفوق لافت وضع اسمه في مقدمة الكوادر العسكرية الواعدة ، وتعتبر مسيرته المهنية سجلاً من الانضباط والعمل الشاق الذي بدأ من ميادين التدريب مراراً بحرب فلسطين وصولاً إلى رئاسة أركان حرب القوات المسلحة برتبة فريق في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
ملحمة إعادة بناء القوات المسلحة وقيادة حرب الاستنزاف
تولى الفريق أول محمد فوزي قيادة الجيش في الحادي عشر من يونيو لعام ألف وتسعمائة وسبعة وستين ميلادية في توقيت كان يتطلب إرادة فولاذية لإعادة الثقة في نفوس المقاتلين وترميم الصفوف الممزقة ، ونجح محمد فوزي في تحويل الانكسار إلى صمود عبر خطط علمية دقيقة لإعادة التنظيم والتسليح والتدريب الشاق التي سبقت معارك استرداد الأرض والكرامة ، وقاد الفريق أول بكل اقتدار مرحلة حرب الاستنزاف التي شهدت عمليات نوعية هزت أركان العدو مثل معركة رأس العش وإغراق المدمرة إيلات وتدمير الحفار كيتينج في ميناء عاج ، واتسم أسلوبه القيادي بالصرامة والجدية وتغليب مصلحة الوطن فوق كل اعتبار مما مكن القوات المسلحة من الصمود والمبادأة على طول جبهة القتال ، وصارت مدرسة محمد فوزي في الإدارة العسكرية نموذجاً يُدرس في كيفية تحويل الهزيمة إلى بناء قتالي صلب قادر على خوض معارك كبرى وتحقيق انتصارات ميدانية ملموسة.
استقالة الفريق أول محمد فوزي وجنازة عسكرية تليق بتاريخه
أنهى الفريق أول محمد فوزي مشواره العسكري بتقديم استقالته في شهر مايو من عام ألف وتسعمائة وواحد وسبعين ميلادية عقب تباين في وجهات النظر مع القيادة السياسية الجديدة آنذاك ، وآثر محمد فوزي الابتعاد عن المشهد العام مع الحفاظ على ولائه الكامل للمؤسسة العسكرية التي ساهم في صنع أمجادها حتى صدر قرار بالعفو عنه قبيل انتصارات أكتوبر المجيدة ، ويؤكد المؤرخون العسكريون أن التمهيد الحقيقي لانتصار أكتوبر ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين ميلادية بدأ من اللحظة التي وضع فيها فوزي حجر الأساس لإعادة بناء القدرات القتالية للجيش ، ورحل الفريق أول محمد فوزي في السادس عشر من شهر فبراير لعام ألفين ميلادية وشيعت جنازته في موكب عسكري مهيب تقدمه كبار رجال الدولة وقادة القوات المسلحة تقديراً لدوره المحوري في حماية السيادة الوطنية ، وتظل سيرة محمد فوزي عطرة في ذاكرة الأمة كقائد وهب حياته لخدمة العلم والوطن في أصعب الظروف التي مرت بها البلاد.







