مقالات وآراء

د. ناجي عبد الرحيم يكتب : محاكمة نظام فور نهاية العام.. مصر أمام الشعب 

استهلال — عامٌ يُغلق دفاتره ولا يُغلق أسئلته

مع انقضاء العام الثالث عشر، وانطلاقة العام الرابع عشر، تقف مصر أمام العالم والتاريخ في آنٍ واحد، حيث مظاهر الاحتفال وتنامي الاحتقان، وكل ما يستعدي موجبات المراجعة والمساءلة؛ فها نحن نبلغ نهاية السنة الثالثة عشرة لحكمٍعسكري اتُّخذ فيه النظام قراراتٌ مصيرية بلا دراساتٍ منهجية، ولا اختباراتٍ موضوعية، ولا خياراتٍ مبنية على أسس علمية أو اعتبارات عملية، قراراتٌ خلّفت ضغوطاً تتجاوز الوصف، وسياساتٍ استُهلكت قبل أن تُنتج، وخطاباتٍ سبقت الواقع فلم تلبث أن انكشفت.

وفي هذا السياق، يصبح لزاماً علينا أن نُجري المحاكمة، لا في ساحات السياسة وحدها، بل في محكمة الاقتصاد؛ حيث السوق هو الشاهد، والقدرة على العيش هي معيار العدالة، والحكم يُنطق بالأرقام والبيانات والإحصاءات، وبحقائق معاناة شعبٍ يطالب بحقه في الحياة.

استدلال …المرافعة الأولى — الاقتصاد يتقدّم شاهدًا لا تابعًا

لم يعد الاقتصاد خلفيةً للسياسة؛ صار مسرحها المفتوح. تضييقٌ نقديٌّ متتابع، وقرار «المئة نقطة» علامةُ توتّرٍ لا أداةُ خلاص، وكلفةُ دينٍ تتقدّم الصفوف، وقدرةٌ شرائيةٌ تنحسر؛ الهامش يضيق لأن السياسة النقدية تُستَخدم في فراغٍ مؤسسي، ولأن الإصلاح الهيكلي تأخّر حتى صار كل تشديدٍ علاجًا مُكلفًا يُؤجّل الألم ولا يرفعه؛ هنا لا يُدان القرار بذاته، بل عزلته عن مسار إنتاجيٍّ شامل يحوّل الانكماش إلى جسر عبور لا حفرة سقوط.

المرافعة الثانية — المراجعات الدولية تصادق على قلق الداخل

ليست المراجعات الخارجية وصايةً، بل مرآةً مُكبِّرة؛ حين تتكرر الملاحظات حول الدين والحوكمة ودور الدولة في السوق، فالرسالة واحدة: الاستقرار قصير الأجل لا يبني نموًا مستدامًا، القراءة التي تتداولها دوائر القرار ترى أن الضغط الاقتصادي هو المحرّك الأعمق للتغيير؛ لا دبابات ولا بيانات، بل القدرة على العيش، هذا الاشتباك بين الداخل والخارج لا يصنع التغيير، لكنه يسمّي سببه ويكشف كلفته إن أُدير بالإنكار.

المرافعة الثالثة — الحوكمة حيث تُحاكم النوايا بالنتائج

في ميزان الثقة، لا تُقاس الدول بما تُعلن، بل بما تُنجز ونتنج، فتراجع النزاهة يرفع كلفة كل قرار: تمويلًا واستثمارًا وامتثالًا، ويكن تداخل الأدوار وتعاظم الهيمنة العسكرية على مؤسسات ومنظمات وشركات القطاع الخاص باقتصاد العسكر الموازي للقطاع الخاص والمنافس له فينكمش القطاع الخاص، ويغيب التنافس، ويتباطأ التشغيل، الحوكمةسيدي المواطن، أصلٌ اقتصادي يخفض المخاطر ويُسرّع النمو؛ ومن دونها تتحوّل كل سياسة—نقدية أو مالية—إلى إجراءٍ أعلى كلفة وأقصر أثرًا، وهذا ما صنعه العسكر.

المرافعة الرابعة — ديون بلا إنتاج

الديون ليست خطيئة إذا بُني بها إنتاج، لكنها تتحول إلى عبءٍ حين تُدار لإدامة التوازن الظاهري، تضاعفُ الالتزامات، وارتفاعُ خدمة الدين، وإعادةُ تدوير القروض، كلها تُعيد تعريف الموازنة من أداة تنمية إلى أداة سداد، فلا قصور ولا جسور، يبنى بها الاقتصاد، وتعين على خدمة الدين، ولذا فكل قرارات النظام هي نحو فقدان الاقتصاد لقدرته على توليد القيمة، وأصبح كل عامٍ لاحقٍ أثقل من سابقه.

المرافعة الخامسة — النمو الذي لا يُشغِّل لا يُنقذ

مشروعاتٌ بلا سلاسل قيمةٍ محلية تُنتج صورًا لا دخولًا، نموٌّ يخدم الأداة الإعلامية للنظام فقط ، لا يخلق وظائف، ولا يرفع إنتاجية، ولا يربط التعليم بالطلب، نموٌّ مُضلِّل، يعاني منه الجيل والأجيال القادمة، فجيل الشباب—جيل «زاد» و«الزواد»—لا يتقدّم بوصفه طاقة احتجاج، بل طاقة إنتاج مُهدَرة، سوق عملٍ مأزوم، فجوة مهارات، وهجرة عقول تُحوّل الديموغرافيا من فرصة إلى عبء ما لم تُعاد صياغة السياسة الصناعية والتعليمية معًا.

استدراك…المرافعة السادسة — الفقر كحالةٍ بنيوية

الفقر لم يعد عارضًا نقديًا، بل بنيةً ممتدة: غذاءٌ مُكلف، صحةٌ مُرهَقة، تعليمٌ مُقيَّد، فحين تتآكل الطبقة الوسطى، تفقد الدولة عازل الاستقرار، وهنا تصبح العدالة الاجتماعية شرطَ نموٍّ لا شعارًا، وتغدو الحماية المنتِجة استثمارًا لا إنفاقًا.

المرافعة السابعة — الفساد كتكلفةٍ اقتصادية

حين يتراجع ترتيب النزاهة، ترتفع كلفة القروض، وتتقلص الاستثمارات، ويتسع الاقتصاد غير الرسمي، فالفساد ليس خللًا أخلاقيًا ولا قيمياً فحسب، بل سعرٌ إضافي يُضاف إلى كل مشروع وكل قرار، ولا اقتصاد يحتمل هذا السعر طويلًا.

المرافعة الثامنة — الأمن الاقتصادي هو السياسة الجديدة

الأمن لم يعد حدودًا فقط؛ صار غذاءً وطاقةً وبيانات وتصريحات وشعارات، هشاشةُ سلاسل الإمداد وصدماتُ العملة تجعل تنويع القاعدة الإنتاجية اختبارَ البقاء، هنا يتقدّم الاقتصاد الأخضر والأزرق والمعرفي من خانة الخطاب إلى خانة الضرورة: طاقةٌ تُخفّض الفاتورة، بحرٌ يُنتج قيمة، معرفةٌ تُضاعف الإنتاجية.

استنتاج…المرافعة التاسعة — الحقوق كشرط تنمية

القيود الواسعة، والاحتجازات، وتآكل المجال العام لا تُنتج استقرارًا، بل تكلفةً صافية، فالاستثمار يحتاج يقين القانون، والمجتمع يحتاج كرامة المشاركة، وعليه فحين تُدار السياسة بالأمن وحده، تُدار الأزمات ولا تُحل.

المرافعة العاشرة — القضاء واليقين القانوني

استقلال العدالة ليس قيمةً نظرية؛ هو شرط سوق، وحين يتسيّس القضاء أو تُستبدل القواعد بالاستثناءات، يرتفع عدم اليقين، ويتراجع الاستثمار، ويُؤجَّل النمو.

المرافعة الحادية عشرة — الانتخابات من احتفالية إلى آلية

الانتخاب ليس احتفالًا، بل آلية مساءلة تُعيد الثقة وتخفض المخاطر، حين يستعاد المعنى، تتحول المنافسة إلى سياسات لا صدامات، يا سادة صندوق الانتخاب ليس ضد الاستقرار؛ هو شرطه.

استقراء …المرافعة الثانية عشرة — صندوق الاقتصاد أم صندوق الذخيرة

السؤال الجوهري، إذا كان الاقتصاد بإصلاحاته المؤسسية يُنتج استقرارًا منخفض الكلفة، وصندوق الذخيرة يُنتج هدوءًا مرتفع الثمن، والتجارب تُثبت أن الدول التي اختارت الإنتاج والحوكمة خرجت من حكم العسكر أسرع ، بخسائر أقل، حيث يبقى صندوق الذخيرة في مكانه في حماية حدود البلاد.

المرافعة الثالثة عشرة — شهادة التاريخ

التاريخ لا يحاكم النوايا، بل النتائج. وبعد أعوامٍ من الاختلال، تقول النتائج إن المشكلة ليست في ظرفٍ عابر، بل في نموذج حكم يحتاج إعادة تأسيس: سياسةٌ تُدار بالمشاركة، اقتصادٌ يُدار بالإنتاج، دولةٌ تُدار بالقانون، وشعب يحتكم لدستور، وحكم رشيد، وعسكر على حماية الحدود .

استشراف… عام الخاتمة ليس عام القطيعة، بل عام الشعب..

هذه المرافعات ليست دعوة قطيعة، بل دعوة تأسيس، للتغيير كما يجب أن يكون، فالتغيير القادم سيكون بعودة شرعية الثورة ودستورها، بإصلاحات اقتصادية في جذورها، مؤسسية في مسارها، سياسية في مآلها، وكل تأجيلٍ للإصلاح البنيوي هو تعجيلٌ بتحولٍ غير مُدار. 

المحاكمة يا سادة بالأدلة لا بالشعاراتفالمئة نقطة التي ختمت بها النظام العسكري الحاكم في مصر ، كشفت ضيق الهامش، وهشاشة البنية المؤسسية للدولة، أبدا لا يمكن أن يكون هو طريق الخلاص ، فمن يدعي النمو بلا تشغيل لا ينقذ إلا نظام، والاستقرار بلا مساءلة لا يدوم ، ولو مر عليه مئات السنوات.

في سطور… حين تقف الدولة أمام ضميرها، وتدرك أننا لسنا هنا لنُدين أشخاصًا فقط، بل لنحاكم مسارًا؛ ليس فينا ولا منا من يطلب ثأرًا، بل نطلب العدالة منطلق ومفهوم ومعنى ومضمون لا يغيب، فكلنا لم يطلب المستحيل؛ نطلب تعليمًا لا يُهين العقل، وصحةً لا تُقايَض بالعجز، وعملاً لا يسرق العمر بلا أجر، وأجر هو أقرب للتسول منها بدلا من أن يكون هو الدخل ، وسياسةً لا تُدار من خلف الأبواب.. والأهم أن نجد إجابة على التساؤلات التالي :

قيل لنا إن الأرقام تحسّنت، لكن لم يُقال لنا: لمن؟

قيل إن الأمن استتبّ، لكن لم يُقال لنا: على حساب من؟

قيل إن الدولة قوية، لكن لم يُقال لنا: لماذا المواطن أضعف؟

سيادة المحكمةإن أخطر ما في هذه القضية، ليس خطأً واحدًا، في تصريح أو موقفنا من أرض الجوار المغتصبة ولا شعب يباد أمام الإعلام والشاشات ، الأخطر هو تخدير الضمير ، ودفن القيم تحت سفن تعبر الحدود ، وقوافل مساعدات تقف على المعابر ، واعتياد كل خطأ؛ يجعل الاستثناء قاعدة، وأن تُدار البلاد بمنطق الطوارئ الدائمة، فيُطلب منك الصبر بلاأفق، والتصفيق بلا مشاركة، والصمت بلا حق وعن كل حق … نحن نطلب حكماً عادلا ، قوامه: إعادة السياسة إلى المجتمع، والاقتصاد إلى الإنتاج، والدولة إلى القانون، والصوت إلى سيادة المواطن .


في كلمات ، هنا عند نهاية المرافعات، تقف القضية على حدّها الفاصل؛ هل تُدار أزمة الدَّين بإصلاحٍ يُنتج، أم بتسييلٍ يُفقد؟ لقد بات واضحًا أن سداد الالتزامات عبر بيع الأصول السيادية—من مطاراتٍ وموانئ ومعابر ومنافذ—ليس مجرّد خيارٍ ماليٍّ عابر، بل تحوّلٌ في فلسفة الدولة؛ انتقالٌ من بناء القدرة إلى استهلاكها، ومن إدارة الزمن إلى مقايضته.

وإن كان يُسمّيه الفقه الاقتصادي تمويلًا مدعومًا بالأصول السيادية، يُحذّر من انزلاقه إلى تسييل السيادة الاقتصادية غابت عنه الحوكمة، فحين تُبرَم عقودٌ طويلة الأجل دون تقييمٍ مستقل، أو رقابةٍ تشريعية، أو شفافيةٍ تنافسية، فإن التكييف القانوني لا يعود رأيًا سياسيًا، بل مسألة مشروعية: هل حُفظت المصلحة العامة؟ هل صين المال العام؟ هل بقيت أدوات السيادة في يد الدولة؟

إن الخطر لا يكمن في البيع بذاته فقط، بل في سوء التقدير الجسيم حين تُستبدَل حلول الإنتاج بحلول السيولة، وتُسدَّد فجوات اليوم بأصول الغد، وتُحمَّل الأجيال القادمة التزاماتٍ لا رجعة فيها، عندها، ينتقل الملف من دائرة السياسة إلى دائرة القضاء الاقتصادي، بوصفه إضرارٍ بالمصلحة القومية وإهدارٍ للمال العام المقترن بالسيادة، لا يحتاج لإثبات نوايا، بل لقراءة نتائج.

وهكذا تُختَم المحاكمة ببيان موجز لسيادة القانون :

إن الاقتصاد—إذا لم يُقترن بحوكمةٍ ومساءلة—يتحول إلى بابٍ خلفيٍّ لتفريطٍ استراتيجي وإن سداد الديون بالأرض لا يبني دولة، بل يُقايض حاضرًا مضغوطًا بمستقبلٍ مُقيَّد. الطريق الوحيد الأقل كلفة هو إعادة التأسيس: إنتاجٌ قبل تسييل، حوكمةٌ قبل تصرّف، شفافيةٌ قبل توقيع، وانتخابٌ قبل تفويض.

نطلب من المحكمة ، حكما منصفا عادلا  :

بإطلاق سراح أساتذة الجامعات والخبراء والمستشارين والقضاة والدبلوماسيين ، وكل معتقل ومعتقلة منذ الإنقلاب.

وإدارة البلاد بالكفاءات والخبرات في كافة المجالات ، وعودة الشرطة لدورها الأمني، والجيش لدوره في حماية حدود البلاد.

فإستعادة الأخلاقيات والقيم، وخاصة قيم الجوار.

وإعلان المال العام أمانة تدر، لا سيولة تستنزف ولا تبدد.

فالاقتصاد وحدة واحدة لا متوازية “إعادة أموال الصناديق إلى خزينة الدولة ولا تحويل للحسابات الخاصة بالنظام”

يا سادة ..السيادة ليست أصلًا يُباع، بل قدرةٌ تُصان.

والحُكم للشعب..

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى