
هذا هو اللقبُ الذي كان يُلقِّبه به زملاؤه في مجلسِ قيادةِ ثورةِ يوليو، نظرًا لانتمائه إلى الفكرِ الاشتراكي آنذاك.
عندما قابلتُه للمرةِ الأولى، كنتُ صحفيًّا شابًّا، لم أتجاوز الثالثةَ والعشرين من عمري. أتيتُ من صعيدِ مصر، أحلمُ بالحريةِ والعدل، وبحقِّ الفقراء في لقمةِ عيشٍ نظيفة، وشربةِ ماء، وعلاجٍ مجانيٍّ يليقُ بمعاناتهم.
لم أجد غير بابِ اليسار مفتوحًا لي على مصراعيه.
أنا ابنُ الفقراء، نحيلُ الجسدِ والروح، ألهثُ من غيرةٍ على بلادي.
استقبلني العظيمُ خالدُ محيي الدين في مكتبه بواحد شارع كريم الدولة.
كنتُ مزهوًّا بنفسي، لكن ليس إلى الحدِّ الذي أرى فيه الزعيم وجهًا لوجه:
الصاغَ الأحمر، عضوَ مجلسِ قيادةِ ثورةِ يوليو، وزعيمَ اليسار.
سلَّم عليَّ بترحاب، وكأنه يُهدِّئ من روعي، قائلًا:
«أراك غدًا في التاسعة»،
وأنهى اللقاء.
خرجتُ غيرَ راضٍ؛ فقد كنتُ أعتقد أن المقابلة ستطول، وأنه سيسأل عن أحوالي، وكيف أعيش في قاهرةِ المعز بعد أن غادرتُ بلدتي في الصعيد، بناءً على استدعاءٍ من الجريدة للعمل مندوبًا لها في وزارةِ الداخلية.
اعتقدتُ أنه سيسألني كيف سأتعامل مع هذا المرفقِ الحيويِّ المهم، وسيُطلعني على الخطوطِ الحمراء التي لا يجب عليَّ تجاوزها.
لكن اللقاء لم يدم أكثرَ من دقيقتين، وانتهى بموعدِ صباحِ اليوم التالي.
قضيتُ ليلتي أفكِّر: تُرى ماذا سيقول لي الأستاذُ خالد؟
وظللتُ أُجهِّز أجوبتي المنطقية على أسئلته المفترضة.
وفي الصباح ذهبتُ مبكرًا، شربتُ قهوتي من يدَي عم عبده، رحمه الله، وانتظرتُ مع هدى، سكرتيرةِ الزعيم، في مكتبه.
جاء الأستاذُ خالد، فوقَّع بعضَ الأوراق سريعًا، ثم اصطحبني معه.
هبطنا درجَ السلم المؤدي إلى شارع كريم الدولة حيث يقبع مقر الحزب، ثم دلفنا إلى سيارته مباشرة:
سيارة «لادا ستيشن» خضراء.
لا أدري لماذا تخيَّلتُ أن سيارةَ الزعيم لا بد أن تكون مرسيدس سوداء، لكن خابت توقُّعاتي.
في السيارة قال لي الأستاذُ خالد:
– هل أنت متزوج؟
قلتُ: نعم.
– ولديك أبناء؟
قلتُ: لديَّ ابنةٌ واحدة.
وعندما سألني عن اسمها، كنا قد وصلنا إلى بابِ مبنى محافظةِ القاهرة.
كان المحافظ في انتظار الزعيم، فبادره الأستاذُ خالد بالقول:
«لقد أتينا بهذا الشاب من الصعيد ليكون مندوبًا للجريدة في وزارة الداخلية، وهو متزوج ولديه طفلة، لذا نريد له شقةً بمساكن الصحفيين».
اندهشتُ، كما اندهش المحافظ اللواء عمر عبد الآخر، وقال له:
«هل أتيتَ سيادتك بنفسك لكي تطلب هذا الطلب البسيط؟»
وعلى الفور أنهى المحافظ الإجراءات الإدارية، وبعد ساعتين كنتُ قد حصلتُ على مفتاحِ السكن في قاهرةِ المعز، مصحوبًا بإعفاءٍ من مقدَّم الشقة.
درسٌ بسيطٌ في إجراءاته، عميقٌ في معانيه.
أعطاه لي الزعيم في أول أيامي في بلاط صاحبةِ الجلالة:
كيف يحافظ القائدُ والزعيمُ والمسؤول على كرامةِ من يعملون معه، ولو كانوا في عمرِ أبنائه.
لم يمضِ على هذا الحدث سوى سنواتٍ قليلة، حتى اصطدمتُ في أول حياتي بوزيرِ الداخلية حسن الألفي، أثناء معركته مع جريدةِ الشعب.
كنتُ قد تناولتُ في تقريرٍ لي نقاطَ الضعف في موقف الوزير بتلك المعركة، ما دفعه إلى إصدار تعليماته بعدم دخولي الوزارة.
ولم يُسمح لي بالدخول مرةً أخرى إلا بعد تدخل المرحوم اللواء رؤوف المناوي، لينهي الموقف شريطة أن أبلغ الزعيم خالد محيي الدين برغبة الوزير في زيارته بمكتبه في الوزارة في أسرع وقت.
أخبرتُ الأستاذَ خالد برغبة الوزير في لقائه، فلم يتردد.
حدَّدنا الموعد سريعًا وذهبتُ معه.
لم أكن أعلم أنهم يخططون للوقيعة بيني وبين الزعيم، حتى أترك موقعي كمندوبٍ لجريدةِ الأهالي بوزارة الداخلية، ويأتوا بشخصٍ آخر يكون التعامل معه مريحًا إلى حدٍّ ما.
حاول اللواء رؤوف المناوي إقناعَ الأستاذ خالد بأن يتم اللقاء دون حضوري.
كنتُ أرى وجاهةً في الأمر، فلربما هناك أشياء لا يجب عليَّ أن أعرفها.
لكنني فوجئتُ بالأستاذ خالد يتمسَّك بحضوري، ورفض بلطفٍ طلبَ اللواء رؤوف، قائلًا:
«أنا لا أُخفي شيئًا عن أعضاء الحزب وكوادره، خاصةً من الشباب».
وكانت تلك إشارةً إليَّ، وقد كنتُ آنذاك أصغرَ عضوٍ في اللجنة المركزية للحزب .
في اللقاء حدث ما كان يتوقعه الأستاذ خالد؛ عاتبه الوزير على موقفي، وألمح إلى ضرورة تغييري.
فانبرى الأستاذ خالد للدفاع عني دفاعًا لم أتوقعه، خاصةً في مواجهة وزير الداخلية.
وفي نهاية اللقاء أوضح للوزير طريقةَ اختيار المندوبين في جريدةِ الأهالي، الناطق الرسمي باسم حزبِ التجمع، وأنه لا يجوز تغيير المندوب إلا وفق قواعد محددة، وأنه سيجلس معي شخصيًّا لحثي على مزيدٍ من التعاون، وأنه ضامنٌ لي شخصيًّا وضامنٌ لحسن أدائي.
خرجتُ من اللقاء مزهوًّا بقائدي، وبحزبي، وبجريدتي، عاقدًا العزم على أن أقدِّم الغالي والنفيس في سبيل رفعتهم.
وكان هذا هو الدرسُ الثاني الذي لقنني إياه الزعيم:
أن تقف مع المحرر ما دام على حق، فلا تخذله إلا إذا أخطأ في قول الحقيقة، وليس العكس.
ومرت السنون، وجاء يومٌ رأيتُ فيه الوجهَ الآخر للزعيم.
كان غاضبًا جدًّا مني، فاستدعاني وقال بلهجةٍ حادة:
«ماذا كتبتَ اليوم؟»
قلتُ: كتبتُ تقريرًا حول القبض على مجموعةٍ من ضباط الشرطة والجنود الذين يبيعون الذخيرة والسلاح الميري للإرهابيين في الصعيد.
سألني بحدة:
«وهل هذا مؤكد؟»
قلتُ: معلوماتي تؤكد ذلك، وهناك ثلاثةُ ضباطٍ على الأقل تم اعتقالهم قبل يومين، ومودعون بسجن بني سويف العمومي، أحدهم أعرفه معرفةً شخصية.
قال لي:
«الوزير اتصل بي غاضبًا، وقال إن الخبر عارٍ تمامًا من الصحة، وسيعقد مؤتمرًا صحفيًّا عالميًّا اليوم لتكذيبه.
غدًا تقدِّم استقالتك فورًا، أو نصدر قرارًا بفصلك».
خرجتُ من مكتبه محطمًا تمامًا.
هكذا شعرتُ: أن سندي في الحياة، بعد الله، قد تخلَّى عني.
ولم يكن هو وحده؛ الجميع أغلقوا الخطوط في وجهي خوفًا من الوزير.
سلَّمتُ أمري إلى الله، وكنتُ أعرف أنني على حق.
انتظرتُ صدور الحكم بإعدامي.
في الخامسة مساءً تحدثتُ مع صديقي محمد صلاح الزهار، مندوب الأخبار في الوزارة.
وعندما جاءني صوته ضاحكًا، اطمأننت.
قال لي:
«أنقذتك العناية الإلهية. ألغى الوزير المؤتمر، واكتفى ببيان اعترف فيه بالواقعة، وأعلن القبض على ثمانيةٍ وعشرين ضابطًا وجنديًّا».
وكان لإلغاءِ المؤتمرِ الصحفي، وإعلانِ وزير الداخلية الحقيقةِ كاملةً أمامَ الرأيِ العامِّ في بيان، قصةٌ طويلةٌ عرفتُها فيما بعد من اللواءِ عمرَ سليمان، رحمةُ اللهِ عليه.
ربما يأتي اليومٌ لأقصَّها كاملةً.
تنفستُ الصعداء.
وفي الصباح التقيتُ الأستاذَ خالد بوجهه الذي أعرفه، شدَّ على يدي، وتمنى لي التوفيق بابتسامةٍ رقيقة لم تفارق خيالي حتى الآن، بل وصرفَ لي مكافأةً قدرُها ألفُ جنيه،
وما أدراك ما قيمةُ هذا المبلغِ آنذاك.
كان هذا هو الدرسُ الثالث الذي لقنه لي الزعيم:
سأساندك ما دمتَ على حق، مهما كلفني ذلك، لكنني سأغضب منك وأتخلى عنك إذا كنتَ كاذبًا أو مهمِلًا، أو ناشرًا للشائعات التي تضر بالأمن القومي.
وتمضي الأيام، وتأتي الصفقة الكبرى بين الدولة وجماعات العنف الديني.
وقفتُ وحيدًا أعارضها، محذرًا من كلفتها الباهظة.
وكان الزعيمُ خالدُ محيي الدين، والدكتورُ رفعتُ السعيد، أوَّلَ مَن ساندوني؛
إلى الدرجةِ التي دخل فيها رفعتُ السعيد في مواجهةٍ حادّة مع اللواءِ حبيبِ العادلي آنذاك، على الصفحةِ الأولى في جريدةِ «الأهالي»، عندما هدَّد باعتقالي.
وتلك أيضًا قصةٌ أخرى، تروي؛ حول معركةَ حزبِ التجمّع وجريدةِ «الأهالي»
مع وزارة الداخلية ووزيرها حبيب العادلي حول تقييم “صفقةِ وقفِ العنف بين الدولة وجماعاتِ العنفِ الديني آنذاك”.
وقد كنتُ قد كتبتُ فيها بحوثًا مستفيضة،
نُشرت في كتابين:
أحدهما عن دار «ميريت» بعنوان:
«المخاطرة في صفقة الحكومة وجماعات العنف»،
والآخر عن دار «المحروسة» بعنوان:
«مبادرة وقف العنف بين رهان الحكومة والجماعة الإسلامية»
ربما يتسنّى لي الوقتُ يومًا للكتابة عن دهاليزها، ففيها ما يستحقُّ أن يُروى.
ومضت الأيام، وتكشَّفت الحقائق.
ولم تكن تلك الدروسُ هي الأخيرةَ التي علَّمني إيّاها الرجلان:
خالدُ محيي الدين، والدكتورُ رفعتُ السعيد،
لكنها ربما كانت الأهم.
وهناك دروسٌ عديدةٌ غيرُها، ما زالت تسكنني، وما زلتُ أقصُّها وأعلِّمها لأولادي كلَّ يوم.
ورحل خالد محيي الدين دون أن يعرف أنني سمَّيتُ ابني الوحيد «خالد» تيمُّنًا به.
وعندما خطوتُ أولى خطواتي في تيار اليسار، اخترتُ لنفسي اسم «خالد» اسمًا حركيًّا في أول تنظيم سري أنضم اليه.
فعم سلاما يا زعيم،
وسلِّم على أهلنا هناك،
وامشِ الهوينى،
وتذكَّرنا إن اتَّسع الوقت.
باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة







