مقالات وآراء

معتصم الكيلاني يكتب: خطورة احتضان لبنان لمجرمي حرب ومشتبه بتخطيطهم لأعمال إرهابية ضد سوريا.. قراءة قانونية تحليلية مع سوابق قضائية دولية

تزداد حساسية مسألة وجود أشخاص متهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في سوريا و يُشتبه في ضلوعهم في تخطيط عمليات إرهابية عابرة للحدود عندما تتحول دولة مجاورة إلى “مساحة آمنة” أو نقطة عبور أو تنظيم، بما ينعكس مباشرة على أمن الدولة المتضررة واستقرار الإقليم ككل. وفي السياق اللبناني–السوري، تبرز ادعاءات وتقارير إعلامية—من بينها مواد منشورة ضمن منصة تحقيقات الجزيرة—تتحدث عن شبكات مرتبطة بفلول النظام السوري وشخصيات عسكرية سابقة يُزعم أنها تسعى لزعزعة الاستقرار داخل سوريا انطلاقاً من خارجها. ومنهجياً، الطرح القانوني الرصين يميّز بين:

  1. ما يثبت قضائياً بأدلة، و2) ما يرد في الإعلام كقرائن تستوجب التحقق، و3) ما قد يكون ادعاءً غير مُثبت.

هذه الدراسة تتناول المخاطر القانونية (مسؤولية الدولة، التعاون الدولي، عدم الإفلات من العقاب) والمخاطر الأمنية (تحويل الأرض إلى منصة تهديد) والخيارات القانونية المتاحة للبنان لتفادي التورط أو التقصير وفق قواعد القانون الدولي.

أولاً: التزامات الدول بعدم توفير “ملاذ آمن” للإرهابيين ومخططي العنف


بعد 2001 ترسّخ إطار دولي واضح يوجب على الدول منع استخدام أراضيها في التخطيط أو التمويل أو الإيواء أو التحريض لأعمال إرهابية. ويُعد قرار مجلس الأمن 1373 (2001) حجر زاوية في هذا المجال، إذ يُلزم الدول باتخاذ تدابير لمنع دعم الإرهاب وحرمان المتورطين من الملاذات الآمنة وتعزيز التعاون القضائي وتبادل المعلومات. كما تدعم أجهزة الأمم المتحدة المختصة (مثل مديرية مكافحة الإرهاب) هذا المنحى من خلال أدلة إجرائية للدول حول التنفيذ.

أهمية ذلك بالنسبة للبنان:
حتى في غياب “إثبات نهائي” على كل واقعة، تظل هناك التزامات بـالعناية الواجبة: أي بذل الجهد المعقول لمنع الخطر والتحقق من المعلومات والتحرك عند وجود مؤشرات جدية.

ثانياً: جرائم الحرب والجرائم الدولية الجسيمة: منطق “الملاحقة أو التسليم”


إذا تعلق الأمر بجرائم دولية جسيمة (ومنها جرائم الحرب، التعذيب، الجرائم ضد الإنسانية وفق توصيفات قانونية)، فإن الاتجاه الدولي العام يقوم على مكافحة الإفلات من العقاب عبر أحد مسارين:
• المحاكمة أمام القضاء الوطني المختص عندما تتوافر الولاية القضائية والأدلة، أو
• التسليم/التسليم القضائي (Extradition) إلى دولة مختصة أو جهة قضائية مناسبة، وفق الضمانات.

ويُستشهد هنا بسابقة محورية لمحكمة العدل الدولية: قضية “الالتزام بالمقاضاة أو التسليم” (بلجيكا ضد السنغال، 2012) المتعلقة باتفاقية مناهضة التعذيب، حيث أكدت المحكمة أن على الدولة التي يوجد على إقليمها مشتبه بارتكاب التعذيب أن تتخذ خطوات جدية، وأن المقاضاة والتسليم بديلان لمكافحة الإفلات من العقاب. 

كما تُعد اتفاقية مناهضة التعذيب مرجعاً تأسيسياً في هذا الباب، سواء لجهة التجريم والتعاون أو لجهة مبدأ عدم الإعادة القسرية عند خطر التعذيب. 

دلالة ذلك في السياق اللبناني–السوري:


إذا وُجد على الأراضي اللبنانية أشخاص تُثار حولهم اتهامات جدية بارتكاب تعذيب أو جرائم جسيمة أخرى، فإن لبنان—بحسب الالتزامات الناشئة عن المعاهدات ذات الصلة (حيث تنطبق)—يُتوقع منه تفعيل آليات التحقيق والتعاون القضائي، وإلا قد يتعرض لاتهامات بالتقصير في منع الإفلات من العقاب.

ثالثاً: مبدأ “عدم السماح باستخدام الإقليم لإيذاء الغير” وسوابق محكمة العدل الدولية
من أقدم وأوضح السوابق القضائية الدولية في هذا المجال قضية مضيق كورفو (1949)، حيث أشارت محكمة العدل الدولية إلى مبدأ بالغ الأهمية في القانون الدولي العام: التزام كل دولة بعدم السماح عن علم باستخدام إقليمها لأعمال تخالف حقوق دول أخرى. 
هذا المبدأ يُستخدم اليوم كمرتكز قانوني عند تقييم مسؤولية الدول عن التساهل مع أنشطة مسلحة أو إرهابية أو تخريبية تنطلق من أراضيها ضد دولة أخرى، حتى لو لم تكن الدولة “الراعية المباشرة” لتلك الأنشطة.

ويُساند هذا الإطار “قانون المسؤولية الدولية” كما صاغته مشاريع مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً (2001)، والتي تشرح متى تقوم مسؤولية الدولة نتيجة فعل أو امتناع منسوب إليها يخالف التزاماً دولياً، وكذلك صور المساهمة مثل المساعدة أو الإعانة في فعل غير مشروع. 

نقطة جوهرية:


لا يلزم إثبات “توجيه مباشر” دائماً لقيام المسؤولية؛ فقد تكفي أحياناً صورة من صور التقصير الجسيم أو المعرفة مع عدم اتخاذ تدابير—بحسب طبيعة الالتزام والمعيار الواجب تطبيقه.

رابعاً: العناية الواجبة ومنطق “المنع” في الجرائم الجماعية: سابقة البوسنة ضد صربيا
في قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا (2007) المتعلقة باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، تناولت محكمة العدل الدولية مضمون واجب المنع بوصفه التزاماً قائماً بذاته، مرتبطاً بمعيار “العناية الواجبة” وفق ما تستطيع الدولة فعله واقعياً في ضوء نفوذها ومعلوماتها وظروفها. 
ورغم اختلاف موضوع الإبادة عن الإرهاب، فإن القيمة القانونية هنا في المعيار: عندما تتوافر مؤشرات جدية على خطر جسيم، يتعيّن على الدولة أن تتحرك ضمن قدراتها لمنع النتائج.

تطبيق تماثلي حذر:


إن وُجدت معلومات موثوقة (وليس مجرد شائعات) عن تحضيرات لعمليات عنف عابر للحدود، فإن منطق العناية الواجبة يدفع باتجاه واجبات: التحقيق، الرقابة، منع التمويل، وتفعيل التعاون القضائي والأمني وفق القانون.

خامساً: التسريبات والتحقيقات الإعلامية (ومنها الجزيرة): قيمتها القانونية وحدودها

تسريبات أو تحقيقات إعلامية—حتى عندما تصدر عن مؤسسة دولية معروفة—تبقى ليست حكماً قضائياً. لكنها قد تشكل:
• مؤشراً معلوماتياً يستدعي فتح تحقيق رسمي،
• أو سبباً لتفعيل التعاون القضائي (طلبات مساعدة قانونية متبادلة، تبادل معلومات، مذكرات توقيف داخلية وفق الضوابط)،
• أو مبرراً لرفع مستوى التدابير الوقائية.

في هذا السياق، تُعد المواد المنشورة عبر تحقيقات الجزيرة إطاراً إعلامياً يمكن الاستئناس به، مع ضرورة ألا تتحول التسريبات إلى إدانة مسبقة للأشخاص أو الدول دون إجراءات رسمية لذلك اعتقد انها ستكون موجب ان لنا ان تؤسّس لتشكل لجنة تحقيق مشتركة بين الدولتين لأخذ كافة التدابير القانونية والقضائية للملاحقة القضائية للمشتبه بهم .

سادساً: سوابق مرتبطة بمسألة الحصانات وعدم الإفلات من العقاب (قضية بينوشيه)


من أكثر القضايا تأثيراً في الجدل حول “حصانة المسؤولين السابقين” في الجرائم الجسيمة: قضية بينوشيه أمام مجلس اللوردات في المملكة المتحدة، التي رسخت اتجاهات مهمة بشأن قابلية ملاحقة التعذيب وحدود الحصانة الوظيفية في بعض السياقات، وارتباط ذلك باتفاقية مناهضة التعذيب والولاية القضائية.
لا يعني ذلك أن كل حالة مماثلة تُحسم بذات النتيجة، لكنه يوضح أن “المنصب السابق” ليس دوماً درعاً مانعاً عندما يتعلق الأمر بجرائم جسيمة كالتعذيب وفق أطر قانونية معينة.

سابعاً: المخاطر على لبنان: مسؤولية دولية، وأعباء أمنية، وتداعيات سياسية.


إذا ثبت—قضائياً أو عبر وقائع رسمية موثقة—أن أشخاصاً متورطين في جرائم حرب أو تخطيط أعمال إرهابية وجدوا ملاذاً آمناً أو تسهيلات على الأراضي اللبنانية، فإن المخاطر تتوزع على مستويات:
1. المسؤولية الدولية : قد تُثار مزاعم فشل في تنفيذ التزامات قرار 1373 أو غيره من الأطر ذات الصلة بمكافحة الإرهاب.
2. المسؤولية عن المساعدة/الإعانة أو التقصير
وفق قواعد مسؤولية الدول (ILC 2001)، قد تُبنى حجج حول الإعانة أو الامتناع عن المنع إذا توافرت عناصرها.
3. ارتدادات أمنية داخلية: تحول لبنان إلى ساحة تصفية حسابات أو عمليات ردعية أو نشاط خلايا، بما يهدد الأمن الداخلي والمجتمعي.
4. تأثيرات دبلوماسية واقتصادية: احتمال تراجع التعاون الأمني الدولي، وزيادة الضغوط السياسية، وربما إجراءات تقييدية بحسب السياق الدولي.

ثامناً: ما الذي ينبغي قانونياً لتفادي الانزلاق؟ (خريطة حلول ضمن سيادة الدولة)
لتقليل المخاطر وضمن احترام سيادة لبنان وضماناته الدستورية وحقوق الإنسان، يمكن تلخيص “الاستجابة القانونية النموذجية” في:
• فتح تحقيقات رسمية عند قيام قرائن جدية، مع توثيق الإجراءات.
• تعزيز التعاون القضائي: مذكرات إنابة، تبادل معلومات، تسليم أدلة رقمية، وفق الأطر القانونية.
• تطبيق التزامات مكافحة الإرهاب (تجفيف تمويل، منع لوجستي، مراقبة السفر) وفق قرار 1373. 
• اعتماد معيار حقوقي في التسليم: مراعاة مبدأ عدم الإعادة القسرية إذا توفر خطر تعذيب، كما تقرره اتفاقية مناهضة التعذيب (خصوصاً المادة 3). 
• الفصل بين المعارض السياسي والمشتبه بجرائم جسيمة: حماية حق اللجوء/الإقامة القانونية لا تعني حماية من ارتكب جرائم دولية، لكن ذلك يستلزم إجراءات إثبات عادلة وليس أحكاماً إعلامية.

وفي الختام ، القانون الدولي لا يكتفي بإدانة الإرهاب وجرائم الحرب كمفاهيم عامة، بل يضع على الدول واجبات ملموسة: منع استخدام الإقليم للإضرار بالغير (مضيق كورفو)، والعناية الواجبة في المنع عند قيام مخاطر جسيمة (البوسنة ضد صربيا)، والمقاضاة أو التسليم في الجرائم الدولية المحددة (بلجيكا ضد السنغال)، مع قواعد عامة للمسؤولية الدولية (ILC 2001). وفي ضوء أي تسريبات إعلامية—ومنها ما ينشر عبر منصات تحقيقات—فالمسار السليم قانونياً هو الانتقال من “الخطاب” إلى “الإجراء”: تحقيق، توثيق، تعاون قضائي، وضمانات حقوقية تمنع التسييس والانتهاك، وفي الوقت ذاته تمنع الإفلات من العقاب وتهديد أمن سوريا والمنطقة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى