ملفات وتقارير

دراسة تحليلية لمركز حريات..سياسة القوة المستعارة.. كيف تبني الإمارات نفوذها الإقليمي عبر الميليشيات والمرتزقة؟

الملخص

تتناول هذه الدراسة التحليلية كيفية بناء وإدارة النفوذ الإقليمي لدولة الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما في عهد محمد بن زايد، من خلال أدوات غير تقليدية تتجاوز منطق الدولة الوطنية الكلاسيكي. وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن الإمارات نجحت في تعويض محدودية مواردها الديموغرافية والعسكرية عبر توظيف شبكة مركبة من الميليشيات المحلية، والمرتزقة الدوليين، والشركات العسكرية الخاصة، ضمن إطار يجمع بين الطموح الذاتي والدور الوظيفي في الاستراتيجيات الأمريكية–الإسرائيلية.

وتفكك الدراسة دوافع هذا التوجه، وأنماط القوى المستخدمة، ومجالات التطبيق في اليمن وليبيا والسودان والقرن الإفريقي، كما ترصد التداخل بين المصالح الإماراتية الخاصة ومتطلبات النظام الإقليمي والدولي. وفي المقابل، تحلل المخاطر البنيوية لهذا النموذج، وحدود استدامته، واحتمالات ارتداده أمنيًا وسياسيًا.

وتهدف الدراسة إلى تقديم قراءة استراتيجية متوازنة تميّز بين النجاحات التكتيكية قصيرة المدى، والتحديات الهيكلية التي تهدد مستقبل المشروع الإماراتي برمته ونفوذه الإقليمي.

مقدمة: صعود قوة جديدة بأدوات غير تقليدية

حتى مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لم تكن دولة الإمارات العربية المتحدة تُصنَّف فاعلًا مركزيًا في المعادلات الأمنية أو العسكرية للمنطقة، بل ارتبط حضورها الإقليمي أساسًا بأدوار اقتصادية ومالية واستثمارية، وبسياسة خارجية حذرة تميل إلى العمل ضمن المظلات الجماعية الخليجية والدولية. غير أن التحولات العاصفة التي شهدها الإقليم منذ عام 2011 مثّلت نقطة انعطاف حاسمة في العقيدة الاستراتيجية الإماراتية، دفعتها إلى إعادة تعريف موقعها ودورها وأدوات نفوذها.

خلال العقد الأخير، انتقلت الإمارات من نموذج “القوة الاقتصادية الناعمة” إلى نموذج “القوة الأمنية التدخلية”، معتمدة على منظومة غير تقليدية لبناء النفوذ، تقوم على استخدام الميليشيات المحلية، والقوات غير النظامية، والمرتزقة، والشركات العسكرية الخاصة، إلى جانب وحدات نخبوية عالية التدريب. وقد أتاح هذا التحول تعويض محدودية العنصر البشري وغياب العمق الديموغرافي، عبر إدارة الصراعات عن بُعد، وبكلفة سياسية داخلية منخفضة.

ويستند هذا التحول إلى ثلاثة أهداف مركزية شكّلت الإطار الناظم للاستراتيجية الإماراتية الجديدة. أولها السعي إلى إعادة هندسة النظام الإقليمي بما يحول دون تكرار موجات التغيير الثوري، عبر دعم قوى مضادة للثورات العربية، ومنع تشكّل نماذج حكم ديمقراطية قد تنتج شرعيات شعبية بديلة تهدد أنماط الحكم السلطوي القائمة. وثانيها الدخول في منافسة مفتوحة مع محاور إقليمية صاعدة، وفي مقدمتها تركيا وقطر، وما تمثله من دعم للإسلام السياسي، ولا سيما تيارات الإخوان المسلمين التي تنظر إليها أبوظبي بوصفها التهديد الأيديولوجي الأخطر على نموذج الدولة الأمنية. أما الهدف الثالث، فيتمثل في بناء قوة صلبة فاعلة تتجاوز القيود البنيوية للجيوش الخليجية التقليدية، وتمنح الإمارات قدرة على التأثير الميداني دون الانخراط في حروب نظامية واسعة.

في هذا السياق، برزت الإمارات كفاعل يجيد إدارة “حروب الوكالة”، عبر شبكة مركّبة من الحلفاء المحليين، تتقاطع فيها المصالح الذاتية مع أدوار وظيفية تخدم استراتيجيات أوسع تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل في الإقليم. وبهذا المعنى، لم يعد النفوذ الإماراتي مجرد امتداد لقوة الدولة، بل أصبح نموذجًا خاصًا لإدارة الفراغات، وتوجيه الفوضى، وإعادة تشكيل خرائط النفوذ بأدوات غير تقليدية، تطرح أسئلة جوهرية حول حدود هذا المشروع وإمكانات استدامته.

أولًا: دوافع الإمارات لبناء شبكة ميليشيات ومرتزقة

يمثل اعتماد دولة الإمارات على الميليشيات المحلية والمرتزقة الأجانب خيارًا استراتيجيًا واعيًا، لا مجرد استجابة ظرفية لبيئات صراع بعينها. فهذا التوجه يعكس إدراكًا مبكرًا لقيود القوة الصلبة التقليدية، وسعيًا لتعويضها بأدوات بديلة أقل كلفة وأكثر مرونة.

أول هذه الدوافع يتمثل في نقص القوة الصلبة التقليدية. فالإمارات دولة محدودة السكان، ذات جيش صغير نسبيًا، يعتمد بدرجة كبيرة على الخبرات الأجنبية والتكنولوجيا المتقدمة، لكنه غير مهيأ لخوض حروب تقليدية طويلة أو مواجهة جيوش نظامية كبرى. وقد دفع هذا القيد البنيوي أبوظبي إلى تبني نموذج “القوة بالوكالة”، حيث تُدار المعارك عبر ميليشيات محلية، أو قوات مرتزقة، بما يقلل الخسائر البشرية المباشرة، ويحدّ من الكلفة السياسية الداخلية.

الدافع الثاني يرتبط بـ الرغبة في لعب دور إقليمي يتجاوز الوزن الديمغرافي والجغرافي. فبناء شبكة نفوذ عسكرية غير مباشرة يسمح للإمارات بالظهور كقوة فاعلة في ملفات إقليمية معقدة، من دون الحاجة إلى امتلاك مقومات الدولة الكبرى. ومن خلال هذه الشبكات، استطاعت أبوظبي أن تحجز لنفسها موقعًا متقدمًا في معادلات الصراع، وأن تفرض حضورها في طاولات التفاوض الدولية، رغم محدودية حجمها الطبيعي.

أما الدافع الثالث فيتصل بـ استغلال فراغات القوة الناتجة عن انهيار الدول العربية. فالفوضى التي أعقبت 2011 في دول مثل ليبيا واليمن، ثم لاحقًا في القرن الإفريقي والسودان، وفّرت بيئات مثالية لتدخلات غير نظامية. وقد تعاملت الإمارات مع هذه البيئات بوصفها مساحات مفتوحة لإعادة تشكيل موازين القوة عبر دعم أطراف محلية مسلحة، وإنشاء تشكيلات موازية للدولة، بما يضمن لها نفوذًا طويل الأمد يتجاوز تغير الحكومات الرسمية.

ويبرز الدافع الرابع في مواجهة الإسلام السياسي عبر نموذج أمني هجومي. فالميليشيات، في هذا السياق، ليست مجرد أدوات عسكرية، بل أدوات صراع أيديولوجي. إذ ترى أبوظبي في الحركات الإسلامية، ولا سيما المرتبطة بالإخوان المسلمين، تهديدًا وجوديًا لنموذجها السياسي. ومن ثم، جرى توظيف القوة غير النظامية لتصفية هذه التيارات، أو تحجيمها، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف الدولة الوطنية نفسها.

أما الدافع الخامس، فيتمثل في الانسجام مع الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية في المنطقة. فشبكات الميليشيات المدعومة إماراتيًا تؤدي وظائف تتقاطع مع مصالح واشنطن وتل أبيب، مثل ضبط الممرات البحرية الحيوية، وموازنة النفوذ التركي والإيراني، ودعم قوى محلية معادية للإسلاميين. وبذلك، يتحول النفوذ الإماراتي إلى جزء من منظومة إقليمية أوسع، تجمع بين المصالح الذاتية والأدوار الوظيفية.

بهذا المعنى، فإن بناء شبكة الميليشيات والمرتزقة لم يكن خيارًا اضطراريًا، بل ركيزة أساسية في مشروع إماراتي يسعى إلى إعادة رسم النفوذ الإقليمي بأدوات غير تقليدية، تحمل في طياتها مكاسب سريعة، لكنها تنطوي كذلك على مخاطر استراتيجية بعيدة المدى.

ثانيًا: أنواع الميليشيات والمرتزقة التي تعتمد عليها الإمارات

اعتمدت الإمارات في بناء نفوذها الإقليمي على منظومة معقّدة ومتعددة المستويات من القوى غير النظامية، تجمع بين ميليشيات محلية، ومرتزقة أجانب، وشركات عسكرية خاصة، إلى جانب وحدات إماراتية خاصة عالية التدريب. ويُظهر هذا التنوع إدراكًا إماراتيًا لأهمية توزيع الأدوار، وتخفيض الكلفة السياسية والعسكرية، وضمان المرونة في مسارح الصراع المختلفة.

  1. الميليشيات القبلية والمحلية، حيث تمثل الميليشيات المحلية حجر الأساس في الاستراتيجية الإماراتية، نظرًا لقدرتها على العمل داخل المجتمعات المستهدفة. وقد جرى توظيف هذا النمط بوضوح في:
    • اليمن عبر قوات “الحزام الأمني” والمجلس الانتقالي الجنوبي،
    • ليبيا من خلال دعم قوات خليفة حفتر،
    • السودان عبر علاقات دعم وتأهيل مع قوات الدعم السريع.

تتميّز هذه الميليشيات بعدة خصائص تجعلها جذابة:
• معرفة دقيقة بالجغرافيا والتركيبة الاجتماعية،
• كلفة مالية وبشرية منخفضة مقارنة بالجيوش النظامية،
• قابلية عالية للتوجيه عبر التمويل والسلاح.

غير أن ولاء هذه القوى غالبًا ما يكون قصير المدى، مرتبطًا بالمصلحة المباشرة، ما يجعلها مصدر استقرار مؤقت، لكنه يحمل بذور التفكك المستقبلي.

  1. المرتزقة الدوليون إلى جانب الميليشيات المحلية، حيث اعتمدت الإمارات على مرتزقة أجانب جرى استقدامهم من دول مثل: كولومبيا، أوغندا، رواندا، جنوب إفريقيا، تشاد، نيبال. وقد أُسندت إليهم مهام حساسة تشمل:
    • حماية المنشآت والموانئ والقواعد،
    • تدريب الميليشيات المحلية،
    • تنفيذ عمليات خاصة محدودة،
    • حراسة السجون والمنشآت الأمنية، خاصة في جنوب اليمن.

يوفر هذا النمط ميزة أساسية للإمارات، وهي الإنكار السياسي، إذ يمكن نفي المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات أو العمليات المثيرة للجدل.

  1. الشركات العسكرية الخاصة، حيث تُعد الشركات العسكرية الخاصة الواجهة “القانونية” الأكثر تعقيدًا في هذه المنظومة. ومن أبرزها:
    • بلاك شيلد،
    • ريف فورت،
    • داين كورب (عبر عقود غير مباشرة)،
    • وشبكات مرتبطة بإريك برنس، مؤسس “بلاك ووتر”.

تقوم هذه الشركات بـ:
• تدريب قوات خاصة داخل الإمارات،
• تجنيد مرتزقة أفارقة،
• إدارة غرف عمليات في ليبيا واليمن والقرن الإفريقي،
• تقديم خدمات استخباراتية ولوجستية.

وهنا يندمج الخاص بالرسمي، وتُدار الحروب بأسلوب “متعهدين” لا جيوش.

  1. القوات الخاصة الإماراتية إلى جانب الوكلاء، حيث تحتفظ الإمارات بوحدات خاصة محترفة، تلقت تدريبها في الولايات المتحدة وفرنسا وأستراليا، وعلى أيدي عناصر نخبة غربية سابقة. وتُستخدم هذه القوات في:
    • عمليات إنزال محدودة،
    • اغتيالات ميدانية دقيقة،
    • توجيه وإسناد الميليشيات محليًا.

الخلاصة أن الإمارات بنت نموذج قوة هجينة، لا يعتمد على جيش تقليدي، بل على شبكة متعددة الطبقات من العنف المُدار، تحقق نفوذًا سريعًا، لكنها تترك خلفها دولًا هشّة، وخرائط مفتوحة على صراعات طويلة الأمد.

ثالثًا: الفرق بين الدور الذاتي والدور الوظيفي في الاستراتيجية الإماراتية

لفهم طبيعة صعود الإمارات الإقليمي، لا يكفي النظر إلى تحركاتها العسكرية أو شبكات وكلائها بمعزل عن الإطار الاستراتيجي الأوسع الذي يحكم سلوكها. فالدور الإماراتي يتشكّل عبر مستويين متداخلين: دور ذاتي تسعى من خلاله إلى بناء نفوذ مستقل يخدم مصالحها المباشرة، ودور وظيفي تتحرك فيه كقوة وسيطة تخدم الاستراتيجيات الأمريكية–الإسرائيلية في الإقليم. ولا يكمن جوهر القوة الإماراتية في الفصل بين الدورين، بل في قدرتها على الجمع بينهما دون تصادم:

  1. الدور الذاتي.. الإمارات كقوة صاعدة تبحث عن نفوذ مستقل

ويتمثل الدور الذاتي في سعي الإمارات إلى تجاوز محدوديتها الديمغرافية والجغرافية، وبناء مكانة إقليمية تتناسب مع ثقلها الاقتصادي. ويتجسد هذا الدور في عدة أهداف مركزية:
• السيطرة على الموانئ والممرات البحرية، كما في عدن، سقطرى، بربرة، وعَصَب، بما يضمن نفوذًا طويل الأمد على خطوط التجارة والطاقة.
• منع صعود الإسلاميين إلى الحكم في أي دولة عربية أو إفريقية قريبة من مجالها الحيوي، باعتبارهم تهديدًا أيديولوجيًا وأمنيًا لنموذجها السياسي.
• مزاحمة السعودية في مناطق النفوذ المشتركة، خصوصًا في اليمن والقرن الإفريقي، والتحول من شريك تابع إلى لاعب منافس.
• التأثير في خرائط الطاقة والغاز شرق المتوسط والبحر الأحمر، عبر الحضور في مناطق العبور لا الإنتاج.

في هذا الإطار، تسعى الإمارات إلى تقديم نفسها كقوة “فعالة” وقادرة على الحسم، مقارنة بقوى إقليمية أكبر لكنها أقل مرونة في استخدام الأدوات غير التقليدية.

  1. الدور الوظيفي.. الإمارات كأداة مندمجة في الاستراتيجيات الكبرى

في المقابل، لا يتحرك هذا الدور الذاتي في فراغ، بل يتكامل مع دور وظيفي أوسع يخدم القوى الدولية الكبرى. ففي هذا المستوى، تعمل الإمارات بوصفها:
• قوة مضادة للنفوذ التركي في ليبيا وشرق المتوسط،
• داعمًا استراتيجيًا لإسرائيل في مواجهة إيران، خاصة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي،
• منفذًا عمليًا لسياسات أمريكية مناهضة للثورات العربية،
• شريكًا أمنيًا لواشنطن في ضبط الممرات البحرية ومناطق الهشاشة.

هذا الدور الوظيفي يمنح الإمارات مظلة حماية سياسية ودولية، ويتيح لها هامش حركة واسعًا دون مساءلة جدية.

وهكذا فعلى خلاف قوى إقليمية أخرى، لم تبنِ الإمارات مشروعها في تعارض مع المصالح الأمريكية–الإسرائيلية، بل صاغته في انسجام بنيوي معها. ولذلك، يمكن القول إن الدور الوظيفي هو الأصل المؤسِّس، بينما ينمو الدور الذاتي داخله وبفضله. وهذا ما يجعل النفوذ الإماراتي سريع التمدد، لكنه في الوقت ذاته مرهونًا باستمرار التوافق مع مراكز القوة الكبرى، لا بالاكتفاء الذاتي الحقيقي.

رابعًا: نماذج تطبيقية – كيف تستخدم الإمارات الميليشيات كأداة نفوذ؟

لا تُدار الاستراتيجية الإماراتية عبر التدخل العسكري المباشر طويل الأمد، بل عبر نموذج حروب الوكالة القائم على بناء قوى محلية مسلحة، تعمل شكليًا كفاعلين داخليين، لكنها عمليًا أدوات نفوذ مرتبطة سياسيًا وأمنيًا بأبوظبي. ويظهر هذا النموذج بوضوح في عدة ساحات إقليمية.

  1. اليمن: بناء دولة موازية داخل الدولة

في اليمن، لم تكتفِ الإمارات بالمشاركة في التحالف العسكري، بل انتقلت إلى هندسة واقع سياسي–أمني بديل. فقد أنشأت ودعمت تشكيلات مسلحة متعددة، من بينها:
• قوات المجلس الانتقالي الجنوبي،
• قوات الحزام الأمني،
• وحدات النخبة الحضرمية والشبوانية،
• قوات العمالقة،
إضافة إلى إدارة شبكة سجون سرية خارج سلطة الحكومة المعترف بها دوليًا.

الهدف لم يكن فقط مواجهة الحوثيين، بل:
• إضعاف الحكومة الشرعية،
• ضرب حزب الإصلاح (الإسلاميون)،
• السيطرة على الموانئ والجزر الاستراتيجية (عدن، سقطرى)،
• تمهيد الأرضية لانفصال الجنوب أو تحويله إلى كيان تابع.

وبذلك أسست الإمارات نموذج “الدولة الموازية” التي تملك السلاح والأرض دون شرعية سيادية.

  1. ليبيا: تحويل حفتر إلى قائد ميدان وظيفي

في ليبيا، دعمت الإمارات خليفة حفتر بوصفه أداة لإعادة إنتاج الحكم العسكري. وقدّمت له:
• أسلحة نوعية رغم الحظر الدولي،
• طائرات مسيّرة متقدمة،
• مرتزقة من السودان وتشاد وروسيا،
• شبكات تمويل ولوجستيات.

الهدف كان إسقاط حكومة طرابلس المعترف بها دوليًا، ومنع أي مسار ديمقراطي قد يُفضي إلى شراكة إسلامية–مدنية، وإقامة نظام عسكري قريب من النموذج المصري، يضمن الاستقرار السلطوي لا التوافق الوطني.

  1. السودان: دعم “الدعم السريع” لمعادلة الجيش

في السودان، دعمت الإمارات قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، ليس لإسقاط الدولة، بل لإعادة توازن القوة داخلها. الهدف:
• منع احتكار الجيش للسلطة،
• التحكم في مسارات الذهب والتجارة،
• ضمان وجود قوة موالية تؤثر في القرار السوداني.

وقد ساهم هذا الدعم في تعقيد الصراع وتحويله إلى حرب أهلية مفتوحة.

  1. القرن الإفريقي: الموانئ قبل الدول

في القرن الإفريقي، ركّزت الإمارات على:
• الصومال (بربرة)،
• إريتريا (عصب)،
• جيبوتي (قبل الخلاف).

الهدف هو التمركز العسكري–التجاري على أهم ممرات الملاحة العالمية، وتحويل الموانئ إلى أدوات نفوذ جيوسياسي، بغضّ النظر عن سيادة الدول المضيفة.

وهكذا تستخدم الإمارات الميليشيات لا كحل مؤقت، بل كركيزة دائمة لإدارة النفوذ. وهي بذلك لا تبني دولًا مستقرة، بل كيانات مسلحة قابلة للتوجيه، تحقق لها مكاسب سريعة، لكنها تترك خلفها دولًا أضعف وأكثر هشاشة، وهو ما يجعل هذا النموذج خطرًا بنيويًا على أمن المنطقة واستقرارها طويل المدى.

خامسًا: المخاطر الاستراتيجية المُعرض لها المشروع الإماراتي

رغم ما حققته الإمارات من تمدد نفوذ سريع عبر الميليشيات والمرتزقة وحروب الوكالة، فإن هذا النموذج ينطوي على مخاطر استراتيجية عميقة قد تهدد استدامته على المدى المتوسط والبعيد، بل وقد تنقلب بعض أدواته إلى أعباء أمنية وسياسية مباشرة.

  1. هشاشة الولاءات واعتماد القوة المستعارة

الارتكاز على الميليشيات المحلية والمرتزقة الأجانب يخلق نمطًا من الولاء النفعي المؤقت لا الولاء البنيوي. فهذه القوى:
• تتحرك وفق حسابات المال والمصلحة،
• قابلة لتبديل الحلفاء عند تغير ميزان القوة،
• وقد تنقلب إلى مصدر ابتزاز سياسي أو أمني.

وهو ما يجعل النفوذ الإماراتي عرضة للاهتزاز عند أول تغير في التمويل أو الغطاء الدولي.

  1. خطر الارتداد الأمني المباشر

مع توسّع الدور الإماراتي خارج حدودها، تزداد احتمالات:
• استهداف مصالحها الاقتصادية،
• نقل الصراع إلى عمقها الأمني،
• أو تعرّضها لعمليات رد غير متماثلة.

فالدول الصغيرة ذات الانكشاف الاقتصادي العالي تكون أكثر هشاشة أمام تداعيات الصراعات الإقليمية، خصوصًا حين ترتبط بأدوار قتالية غير معلنة.

  1. تضييق هامش المناورة بفعل المنافسة الإقليمية

تواجه الإمارات بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا:
• السعودية تسعى لإعادة تموضعها وتقليص أدوار أبوظبي في اليمن.
• تركيا عادت لاعبًا صاعدًا في ليبيا والقرن الإفريقي.
• قطر استعادت جزءًا من نفوذها الدبلوماسي.

هذه المنافسة تقلّص قدرة الإمارات على التحرك المنفرد، وتفرض عليها تنازلات أو صدامات مكلفة.

  1. محدودية الاستدامة الاستراتيجية

يعتمد النموذج الإماراتي على:
• تفوق مالي،
• دعم سياسي غربي،
• وأدوات عسكرية غير نظامية.

لكن غياب العمق السكاني، والاعتماد على القوة المستعارة، يجعل هذا النموذج غير قابل للتوسّع طويل الأمد مقارنة بدول تمتلك شرعية شعبية أو قدرات عسكرية ذاتية واسعة.

  1. صناعة أعداء محليين دائمين

في اليمن وليبيا والسودان، لم تخرج الإمارات كوسيط أو شريك بناء دولة، بل كفاعل منحاز:
• دعم أطرافًا ضد أخرى،
• ساهم في تفكيك السلطة المركزية،
• وارتبط اسمه بملفات انتهاكات وسجون سرية.

وهذا يخلق ذاكرة عدائية طويلة المدى، قد تتحول إلى تهديد مستقبلي لمصالحها، حتى بعد انسحابها المباشر.

وهكذا نجحت الإمارات في توسيع نفوذها بسرعة، لكنها فعلت ذلك عبر أدوات عالية المخاطر ومنخفضة الاستدامة. فالقوة التي لا تستند إلى شرعية محلية، ولا تُترجم إلى استقرار دولي، تبقى قوة هشّة مهما بدا بريقها مؤقتًا. والاختبار الحقيقي للمشروع الإماراتي لن يكون في قدرته على التدخل، بل في قدرته على الخروج الآمن دون أن يترك خلفه أقاليم معادية ونزاعات مفتوحة.

سادسًا: خلاصات استراتيجية

تُظهر التجربة الإماراتية خلال العقد الأخير نموذجًا خاصًا لبناء النفوذ الإقليمي، يقوم على توظيف أدوات غير تقليدية، في مقدمتها الميليشيات المحلية، والمرتزقة الأجانب، والشركات العسكرية الخاصة، بدل الاعتماد على قوة عسكرية وطنية واسعة أو شرعية سياسية إقليمية. وقد مكّن هذا النموذج أبوظبي من لعب أدوار تفوق وزنها الديمغرافي والجغرافي، ومن الحضور بقوة في ساحات متباعدة مثل اليمن وليبيا والسودان والقرن الإفريقي.

غير أن هذا النفوذ، عند تفكيكه استراتيجيًا، لا يمكن اعتباره قوة ذاتية مكتملة، بل هو مزيج دقيق بين الدور الوظيفي والطموح الذاتي. فمن جهة، تتحرك الإمارات ضمن إطار أوسع يخدم أولويات أمريكية–إسرائيلية تتعلق بمواجهة الثورات العربية، واحتواء الإسلام السياسي، وموازنة النفوذ التركي والإيراني، وضبط الممرات البحرية الحيوية. ومن جهة أخرى، تسعى أبوظبي إلى استثمار هذا الدور الوظيفي لبناء صورة قوة هجومية صغيرة قادرة على التأثير وصناعة الوقائع خارج حدودها.

وقد أثبت هذا النموذج فاعليته التكتيكية على المدى القصير؛ إذ نجحت الإمارات في:
• فرض نفوذها في موانئ استراتيجية،
• تعطيل مشاريع خصومها الإقليميين،
• التأثير في مسارات صراعات محلية دون انخراط مباشر واسع.

لكن هذه النجاحات تخفي وراءها هشاشة بنيوية واضحة. فالقوة الإماراتية تعتمد بدرجة كبيرة على:
• ولاءات غير مستقرة يمكن شراؤها أو فقدانها،
• بنى اجتماعية وقبلية خارجية لا تخضع لسيطرة طويلة الأمد،
• دعم سياسي دولي قابل للتبدل بتغير الأولويات،
• وغياب جيش وطني كبير قادر على تحمّل أعباء صراعات ممتدة.

وبذلك، فإن النفوذ الإماراتي يبدو أقرب إلى قوة مستعارة مُدارة منه إلى قوة سيادية مستقلة. وهو نموذج قد يحقق اختراقات سريعة، لكنه يفتقر إلى شروط الاستدامة التاريخية، ويُراكم خصومات محلية وإقليمية قد تنفجر لاحقًا في وجه صاحبه.

وهكذا فالمشروع الإماراتي، بصيغته الحالية، ناجح من حيث إدارة الأزمات والتدخلات المحدودة، لكنه محفوف بمخاطر استراتيجية عالية. فالقوة التي لا تُترجم إلى شرعية محلية، ولا تُبنى على مؤسسات وطنية صلبة، تبقى قوة ظرفية، قد تتآكل سريعًا عند أول اختبار إقليمي كبير أو تحوّل في موازين التحالفات الدولية.

خاتمة: حدود القوة ومآلات المشروع

تكشف تجربة محمد بن زايد في بناء وإدارة النفوذ الإقليمي عن نموذج جديد للقوة في الشرق الأوسط، يقوم على السرعة، والاختراق، وإدارة الصراعات من الخارج، لا على بناء شرعية إقليمية أو منظومة تحالفات شعبية أو مؤسساتية مستقرة. وقد مكّن هذا النموذج الإمارات من التحول، خلال فترة وجيزة، إلى لاعب حاضر في ملفات تتجاوز حجمها الطبيعي، مستفيدًا من الفراغات التي خلّفتها الثورات العربية، وتراجع أدوار القوى التقليدية، وانشغال القوى الكبرى بإدارة النفوذ لا بناء الدول.

غير أن هذا الصعود، رغم ما يحققه من مكاسب تكتيكية، يظل محكومًا بحدود صارمة. فالقوة التي تُبنى على الميليشيات والمرتزقة تظل رهينة ولاءات متقلبة، وقابلة للارتداد في لحظات التحول. كما أن النفوذ الذي يقوم على إضعاف الدول وتفكيك المجتمعات لا ينتج استقرارًا طويل الأمد، بل يراكم بيئات عدائية، ويُنشئ أزمات مؤجلة قد تنفجر خارج نطاق السيطرة.

الأخطر من ذلك أن اندماج الدور الإماراتي في الاستراتيجيات الأمريكية–الإسرائيلية يمنحه حماية مرحلية، لكنه يقيّده في الوقت نفسه، ويجعله عرضة للتآكل إذا تغيّرت أولويات تلك القوى أو أعادت توزيع أدوار الوكلاء. فالدور الوظيفي، مهما اتسع، لا يتحول تلقائيًا إلى قوة سيادية مستقلة.

وعليه، فإن مستقبل المشروع الإماراتي مرهون بإجابة سؤال حاسم:
هل يمكن الانتقال من إدارة الفوضى إلى المساهمة في بناء الاستقرار؟
ومن القوة المستعارة إلى النفوذ القائم على الشراكة والشرعية؟

دون هذا التحول، سيظل النفوذ الإماراتي قويًا في الظاهر، لكنه هش في العمق، ناجحًا في إرباك الخصوم، عاجزًا عن صناعة نظام إقليمي مستقر. وفي السياسة، كما في التاريخ، القوة التي لا تُضبط بالشرعية تنتهي غالبًا إلى استنزاف صاحبها قبل خصومه.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى