مقالات وآراء

إسلام الغمري يكتب: رأس الذئب فوق كاراكاس..نهاية النظام العالمي

لم يكن ما حدث في كاراكاس فجر اليوم مجرد عملية عسكرية جريئة، أو فصلاً جديدًا في كتاب التدخلات الأميركية في أميركا اللاتينية. إن عملية «القرصنة السياسية» التي انتهت باعتقال رئيس دولة ذي سيادة، نيكولاس مادورو، من قلب عاصمته، هي الحدث الفاصل الذي يمكننا أن نؤرخ به رسميًا لوفاة النظام العالمي الذي عرفناه منذ عام ألفٍ وتسعمائةٍ وخمسةٍ وأربعين.

لقد استيقظ العالم على مشهد سريالي؛ قوة عظمى تمارس فعلًا لا يمكن وصفه إلا بـ«البلطجة الدولية»، متجاوزة كل الأعراف الدبلوماسية ومواثيق الأمم المتحدة. إن اعتقال مادورو بهذه الطريقة هو الرسالة الأكثر دموية ورعبًا التي أرسلتها واشنطن منذ عقود. إنها، وبلا مبالغة، رسالة «رأس ذئب طائر» أُلقيت على عتبة قصر كل زعيم ورئيس دولة في هذا العالم، صديقًا كان أم خصمًا.

لكن السؤال الأخطر الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: لماذا فعلت واشنطن ذلك؟ بل: كيف أمكن تنفيذ هذا الفعل أصلًا؟


لا يمكن لعملية بهذا الحجم أن تكون مجرد إنزال عسكري جريء أو مغامرة منفلتة. نحن على الأرجح أمام عملية مركّبة، سبقتها سنوات من الاختراق الاستخباراتي العميق، وتفكيك منهجي لمنظومات الحماية من الداخل، وربما تحييد دوائر كاملة داخل الجيش والأمن، أو شلّ قدرتها على اتخاذ القرار في اللحظة الحاسمة. هذا لا يُبرّر الفعل، بل يجعله أكثر رعبًا؛ فالتوحش الخارجي لا ينجح إلا حين يجد جسدًا مُنهكًا من الداخل، وحين تُترك الدول وحيدة، معزولة، ومخترقة، بلا شبكة حماية دولية أو تضامن حقيقي.

احتضار النظام القديم وولادة «شريعة الغاب»

لطالما قام نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية على «كذبة نبيلة» مفادها أن جميع الدول ذات سيادة، وأن تغيير الأنظمة، حتى لو كان مرغوبًا، لا يتم عبر اختطاف الرؤساء. لقد مزّقت واشنطن هذه الكذبة اليوم، وأعلنت بصريح العبارة أن القانون الدولي قد مات، وأن «شريعة الغاب» هي الدستور الجديد للعلاقات الدولية.

في هذا العالم الجديد، لا توجد حصانة لزعيم، ولا حرمة لحدود، ولا قيمة لتحالفات ما لم تكن مدعومة بقوة نارية رادعة. الرسالة الأميركية واضحة: «نحن القاضي والجلاد، وقواتنا هي القانون». هذا التحول لا يهدد خصوم أميركا فحسب، بل يرعب حلفاءها أيضًا، الذين يدركون الآن أن رضا واشنطن هو بوليصة التأمين الوحيدة لبقائهم، وهي بوليصة قابلة للإلغاء في أي لحظة.

ومع ذلك، فإن أخطر ما في مشهد كاراكاس ليس الفعل الأميركي وحده، بل البيئة الدولية التي سمحت له بالحدوث. فلو كان النظام العالمي حيًا بحق، ولو كانت السيادة مبدأً يُدافع عنه لا شعارًا يُتغنّى به في الخطب، لما تجرأت أي قوة على خطف رئيس دولة من عاصمته. إن التوحش لا يولد من فراغ؛ إنه ينمو حين يشعر صاحبه أن لا أحد سيقاوم، ولا أحد سيدفع الثمن، ولا أحد سيقول: «كفى».
ما حدث ليس إعلان قوة مطلقة بقدر ما هو اختبار وقح لمدى موت العالم من حوله.

كيف سيرد العالم على هذا الزلزال؟

إن الصمت المطبق الذي يخيم على معظم العواصم الغربية الآن ليس علامة رضا، بل هو «ذهول الصدمة». الأوروبيون، الذين طالما تغنوا بسيادة القانون وحقوق الإنسان، يجدون أنفسهم عاجزين عن تبرير هذا الفعل، وفي الوقت نفسه مرعوبين من انتقاد «سيد الغابة» الأميركي. هذا الصمت ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في ترسيخ القاعدة الجديدة.

أما في موسكو وبكين وطهران، فالرسالة قُرئت بوضوح شديد. بالنسبة لفلاديمير بوتين وشي جين بينغ، فإن ما حدث لمادورو هو سيناريو كابوسي يجب منعه بأي ثمن. الرد لن يكون عبر بيانات الشجب في مجلس الأمن العاجز، بل عبر تسريع محموم لسباق التسلح، وتعزيز التحالفات العسكرية المضادة للغرب، وربما، وهذا هو الأخطر، السعي لامتلاك «رؤوس ذئاب» خاصة بهم، تُلوّح بها عند الضرورة لردع أي مغامرة مشابهة.

إن الدول التي كانت تفكر في التخلي عن برامجها النووية أو الصاروخية ستعيد حساباتها اليوم؛ ففي شريعة الغاب، السلاح الرادع هو الضامن الوحيد لعدم اختطافك من غرفة نومك. وهكذا، بدل أن يجعل العالم أكثر أمنًا، يدفع هذا السلوك العالم نحو مزيد من الجنون والارتياب والتسلّح الأعمى.

لماذا كاراكاس أخطر من كل ما سبق؟

قد يقول قائل إن التاريخ الحديث مليء بتدخلات أميركية أكثر عنفًا: في بنما، في العراق، في ليبيا. لكن ما يجعل كاراكاس مختلفة هو أن تلك التدخلات، على فظاعتها، كانت تُغلّف دائمًا بسرديات تبريرية: حرب معلنة، غزو عسكري، تحالف دولي، أو حتى مسرحية قانونية زائفة.


أما اليوم، فقد سقط القناع بالكامل. لا حرب، لا تفويض، لا قرار دولي، لا ذرائع أخلاقية. مجرد يدٍ تمتدّ وتخطف. هنا تكمن الخطورة الحقيقية: نحن لم نعد أمام خرق للنظام الدولي، بل أمام استغناء كامل عنه، والتعامل معه كجثة لا تستحق حتى عناء التبرير.

ليلٌ طويل… لكن ليس قدرًا محتومًا

إلى أين تتجه الأمور؟ نحن نتجه، بلا شك، نحو «ليل جيوسياسي طويل» ومضطرب. لقد فتحت واشنطن صندوق باندورا لن يُغلق بسهولة، وشرعنت أسلوبًا جديدًا في الصراع الدولي: «قطع الرؤوس» بدل هزيمة الجيوش، وكسر الرموز بدل خوض الحروب التقليدية.

لكن أخطر قراءة ممكنة لما حدث هي اعتباره قدرًا لا يُردّ. فالتاريخ لا يُصنع بالقوى وحدها، بل بردود الفعل عليها. وما كان لهذا التوحش أن يبلغ هذا الحد لو شعر من يمارسه أن هناك عالمًا حيًا، وشعوبًا يقِظة، وقادة يرفضون الذل والانكسار، ويدافعون عن حقيقة، لا عن مصالح ضيقة فقط.

إن شريعة الغاب لا تنهار حين يظهر ذئب أقوى، بل حين ترفض الفرائس أن تمشي فرادى، خائفة، صامتة. وما زال في هذا العالم متّسع لمن يقول «لا»، ولمن يثبت أن الكرامة ليست خطابًا رومانسيًا، بل شرط بقاء.
إن رأس الذئب الذي أُلقي فوق كاراكاس لم يكن إعلان نهاية التاريخ، بل إنذارًا أخيرًا: إمّا أن يستعيد العالم روحه، أو يعتاد العيش راكعًا.

لقد أطلقت أميركا «الذئب الطائر» من عقاله، لكن مصير العالم لم يُحسم بعد. فالخطر الحقيقي ليس في أن يولد هذا التوحش، بل في أن يعتاده العالم، ويُسلّم له، ويرفع الراية البيضاء قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية.

المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى