مقالات وآراء

اسامة رشدى يكتب : قصة فنزويلا: لم تكن دولة فاشلة… بل أفشلها الجار القوي الطامع في ثرواتها

قصة فنزويلا:
لم تكن دولة فاشلة… بل أفشلها الجار القوي الطامع في ثرواتها

لم تكن مأساة فنزويلا وليدة أخطاء داخلية فقط، بل كانت نتاج صراع طويل مع جارٍ قوي لم يتقبل يومًا استقلال قرارها، ولا سيادتها على ثرواتها.

منذ وصول هوغو شافيز إلى الحكم عام 1999، دخلت فنزويلا في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، لا بسبب “الديمقراطية” أو “حقوق الإنسان”، بل بسبب النفط… والثروة… والسيادة.

فشل انقلاب 2002

في أبريل 2002، شهدت فنزويلا انقلابًا عسكريًا أطاح بشافيز ليومين، فبعد اختطاف الرئيس أعلن رجل أعمال يدعى بيدرو كارمونا نفسه رئيسًا، وألغى الدستور، وحلّ البرلمان، والمحكمة العليا.

لم يكن ذلك “حراكًا شعبيًا بريئًا”، بل انقلابًا سياسيًا مكتمِل الأركان، حظي بدعم سياسي ومالي أمريكي، وشاركت فيه منظمات مرتبطة بالمخابرات الأمريكية عبر التمويل والتنسيق غير المباشر.

وفشل الانقلاب…لكن الرسالة كانت واضحة: من يحاول كسر الهيمنة الأمريكية على نفط فنزويلا، سيدفع الثمن.!!

ومن الضغط الناعم والعقوبات المحدودة والتضييق السياسي والعزل الدبلوماسي ودعم المعارضة في عهد شافيز إلى الحصار الخانق بعد وفاته، فمع وصول نيكولاس مادورو تصاعدت وتيرة الضغوط إلى حصار اقتصادي شامل، خنق قطاع النفط، تجمّيد الأصول، منعت الدولة من التمويل، ودُفع الاقتصاد دفعًا نحو الانهيار.

نعم، كانت هناك أخطاء داخلية جسيمة،
لكن كثيرًا منها كان نتاجًا مباشرًا لهذه الضغوط الخانقة، فيما كانت العقوبات الأمريكية الوقود الذي أشعل الانفجار الكامل.

فالانهيار الاقتصادي والاجتماعي وموجات الهجرة من فنزويلا لم تكن صدفة.
فالبلاد يعتمد اقتصادها على النفط،
والحصار استهدف النفط، والنتيجة مؤكدة، تضخم مفرط، وانهيار العملة وفقر واسع، ترتب عليه هجرة بالملايين.

لم يكن ذلك “فشلًا طبيعيًا”، بل نموذجًا كلاسيكيًا لعقاب دولة تجرأت على الخروج من الطاعة.

وعاد ترامب هذه المرة بمنطق الاجهاز على الضحية وسلب الغنيمة

ففي إدارته الأولى، لعب ترامب دورًا محوريًا في إحكام الحصار المالي والاقتصادي على فنزويلا.
ومع تفاقم أزمات الديون داخل الولايات المتحدة، عاد في دورته الثانية بعقلية الغنيمة الصريحة: بلدٌ «يعوم على بحيرة من النفط والذهب والمعادن النفيسة»… إنها الغنيمة إذن !!

من هنا بدأت حملته الأخيرة التي تابعناها: حصار بحري وجوي، رافقه الاستيلاء على ناقلات النفط، وصاحب ذلك حملة دعائية لتوظيف اتهامات تجارة المخدرات كذريعة سياسية لتبرير العدوان.

ليختتم المشهد بجريمة مكتملة الأركان:
عملية عسكرية واسعة استهدفت دولة مستقلة، ذات سيادة تم اختطاف رئيسها وزوجته، والتعامل معهما كمجرمين يُساقون للمحاكمة بمنطق الكاوبوي والقرصنة السياسية لا القانون.

هذا العمل يفتقد كليًا لأي مشروعية دولية،
ويمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة الدول،
وسابقة خطيرة تُحوِّل النظام الدولي إلى غابة.

وقد سمعنا بالفعل أصواتًا من روسيا تحذّر من أن هذا المنطق، إن ساد، يمكن أن يستخدمه بوتين ضد أي طرف يُصنَّف “عدوًا”، من زيلينسكي إلى غيره، كما يمكن للصين – بالمنطق نفسه – أن تبرّر عملاً مماثلًا ضد تايوان.

هكذا لا يعود العالم محكومًا بقانون،
بل تديره عصابات خطف دولية تستند إلى منطق القوة والغنيمة.
إنه انهيار فعلي لمفهوم القانون الدولي،
الذي لا يجوز أن يُدار بعقلية: «نحب هذا ونكره ذاك».

فنزويلا دفعت ثمن امتلاكها أكبر احتياطي نفطي في العالم، وثمن جرأة حاكمها على قول: «هذا نفطنا».
حتى وصلنا إلى مشهد العبث الأخير ليلة أمس عندما وقف ترامب متباكيًا ببراءة على انهيار فنزويلا، ليعلن -بلا خجل- أنه هو من سيتولى إدارتها ويتحكم في نفطها.!!!

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى