مقالات وآراء

المعتصم الكيلاني يكتب : بين قانونية استخدام القوة الدولية وحق الشعوب في التحرر من الديكتاتورية

قراءة قانونية تحليلية في سياق الأحداث الراهنة

في مطلع يناير 2026 تصاعدت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا بعد عملية عسكرية أميركية أدّت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقلَه إلى الولايات المتحدة بتهم تتعلق بـ”الإرهاب المرتبط بالمخدرات”. هذه العملية أثارت ردود فعل واسعة، دولياً وقانونياً، باعتبارها تتجاوز نطاق الإجراءات التقليدية وتدخل في صميم قواعد القانون الدولي حول استخدام القوة واستقلال السيادة الوطنية. 

أولاً — الإطار القانوني الدولي: مبدأ حظر استخدام القوة

وفق الميثاق الأساسي للأمم المتحدة، لا يجوز لأي دولة أن تستخدم القوة العسكرية ضد دولة أخرى إلا في حالتين رئيسيتين فقط: الحق في الدفاع عن النفس عند وقوع هجوم مسلح، أو تفويض صريح من مجلس الأمن الدولي. هذه القواعد من أبرز دعائم القانون الدولي المعاصر لمنع الاعتداءات أحادية الجانب. المحللون القانونيون يرون أن الهجوم الأميركي على فنزويلا، أو ما شابه ذلك من تدخل عسكري مباشر، يخالف هذه القواعد، لأنه لا يستند إلى تهديد مسلح وشيك يبرر الدفاع عن النفس، ولا يوجد تفويض من مجلس الأمن. 

كما تؤكد آراء خبراء أن استخدام القوة بدون أساس قانوني واضح يمكن أن يرتقي إلى “جريمة العدوان” — وهي من أخطر الجرائم الدولية — خصوصًا إذا كانت تهدف إلى تغيير نظام سياسي في دولة مستقلة. 

ثانياً — انتهاكات مزعومة تجاه القانون الدولي

هذا التقييم يتعزز أيضًا بالدعاوى التي أطلقها خبراء الأمم المتحدة والبُلدان الرافضة للتدخل، الذين وصفوا الإجراءات الأميركية بأنها انتهاك للسيادة الوطنية لفنزويلا وتهديد للسلام الإقليمي. في ديسمبر 2025، أدان خبراء من الأمم المتحدة الحصار البحري الأميركي المفروض على فنزويلا باعتباره عملاً عدوانيًا لا تستند إليه قواعد القانون الدولي. 

علاوة على ذلك، صنّف بعض المراقبين القانونيين ما يجري في البحر الكاريبي وما حول الحدود الفنزويلية من ضربات على زوارق وعناصر يزعم ارتباطها بالتهريب على أنه قد ينتهك القانون الدولي للبحار واتفاقيات حماية الحقوق الأساسية. 

ثالثاً — ماذا عن التدخل لتحرير الشعب؟

من زاوية إنسانية وسياسية، يدعو البعض إلى ضرورة دعم حقوق الإنسان ومكافحة الانتهاكات داخل فنزويلا، حيث تواجه البلاد منذ سنوات أزمات سياسية واقتصادية وقمعًا للمعارضة. منظمات حقوقية دولية سبق أن طالبت الولايات المتحدة ومنظمات دولية أخرى بأن تعتمد آليات قانونية ودبلوماسية لمساءلة من يُتهمون بانتهاكات حقوق الإنسان بدلًا من التدخل العسكري الأحادي. 

هنا يكمن التحدّي الأخلاقي والقانوني: حق الشعوب في تقرير مصيرها والتحرّر من حكم استبدادي لا يعني بالضرورة جواز انتهاك قواعد القانون الدولي التي تنظّم استخدام القوة. القانون الدولي يدعم حماية حقوق الإنسان وسيادة القانون، لكنه لا يعطي ترخيصًا للدول للقفز فوق ميثاق الأمم المتحدة تحت ذريعة الدفاع عن الديمقراطية.

رابعاً — تحليل توازني: رفض التدخل، ودعم الشعب

من منظور قانوني متوازن، يمكن القول:
1. رفض تدخل عسكري أحادي الجانب يشكّل انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي، بما في ذلك حظر استخدام القوة وسيادة الدول.
2. الوقوف إلى جانب الشعب الفنزويلي في سعيه نحو حكم أكثر عدالة وتحررًا من الاستبداد، مع السعي لتحقيق هذا الهدف عبر آليات قانونية دولية ودعم دبلوماسي وليس من خلال الاعتداء المباشر.
3. ضرورة أن تُستخدم القنوات الدولية مثل مجلس الأمن، محاكم جرائم الحرب، أو آليات حقوق الإنسان، لضمان محاسبة من يثبت تورّطه في جرائم جسيمة، بدلًا من الغزو أو الاحتلال.

بهذا، نبقى مع احترام القانون الدولي والنظام العالمي القائم على قواعد، ومع تطلعات الشعب الفنزويلي نحو مستقبل أكثر حرية وعدالة — موقف يحترم الحقوق الإنسانية والسيادة الوطنية والقانون الدولي في آن واحد.
وفي الختام،إنّ الوقوف ضد البلطجة الأميركية في محاولات إسقاط النظام الفنزويلي بالقوة لا يعني، بحال من الأحوال، الدفاع عن الديكتاتورية أو تبرير القمع. بل هو موقف قانوني وأخلاقي ثابت ينطلق من احترام القانون الدولي ورفض تحويله إلى أداة انتقائية بيد القوى الكبرى. فإسقاط الأنظمة بالقوة العسكرية الأحادية يشكّل اعتداءً على سيادة الدول وجريمة دولية، مهما كانت الذرائع السياسية أو الأخلاقية المعلنة.

وفي المقابل، يبقى حق الشعب الفنزويلي في الخلاص من الاستبداد وبناء دولة ديمقراطية عادلة حقًا أصيلًا لا يقبل المساومة، لكن تحقيقه يجب أن يمر عبر إرادة داخلية حرة، ودعم دولي مشروع، وآليات قانونية ودبلوماسية واضحة، لا عبر القصف أو الإنزال العسكري أو فرض الأمر الواقع.

إنّ الدفاع عن الشعوب لا يكون بانتهاك القانون الدولي، كما أن مواجهة الديكتاتوريات لا تُبنى على منطق الغلبة، بل على سيادة القانون، والمساءلة الدولية، واحترام حق تقرير المصير. وبين رفض العدوان الخارجي ودعم نضال الشعوب، يقف الموقف القانوني المتوازن شاهدًا على أن العدالة لا تتجزأ، وأن الحرية لا تُفرض بالقوة بل تُنتزع بإرادة الشعوب نفسها

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى