
أنا..
مرة أخرى تهزمني الشوارع، والميادين العتيقة، فأهرب إلى أحضان الذكريات، ألملم نفسي، وأعلّق بما تبقى مني، وسط هدير أمواج الخريف، والشجر الفارغ من الأوراق.
الشوارع مطلية باللون الأبيض، والثلج يقف شامخًا فوق رؤوس المارة والعربات، وحدي أجاهد أن أكون طفلًا يفرح بالود حينما يأتي من قلوب الأصفياء، ويكره الشر، ولا يعبأ بالأشرار، مهما بلغوا من علو في الأرض.
هكذا أخبرتني السماء يومًا أن قدري بيد الله، ولا أحد في الكون يستطيع تغييره، فسكنت نفسي، وأجهشت بالبكاء.
جنوبيٌّ أنا، يسكنني الورع بالأغنيات القديمة، على أعتاب الأتقياء، والصمت في حضرة الأولياء.
لا شيء يوقظني في المساءات البعيدة سوى وجه أمي حين يجيء متشحًا بالبياض. ليس لأن البياض لون التميمة ضد الزمن، وإنما لأنه يذكرني بالثلوج والقلوب، والنقاء والخلود.
عشت أربعين عامًا أحفر الأنهار للقادمين من هناك، وأزرع الود شجرًا وعصافير ووردًا. تلقيت أكثر من عناق عند الفراق، ولكنني ما زلت في شوق للعناق الأخير.
مليون عام كنت أحلم، مليون عام لم تلدني أمي إلا دقائق في إناء الطحين، وانصرفت. ربما كان أبي بالباب يقرع الطبول، ويفرغ ما تبقى من الروح في صمت الحقول.
صبيٌّ صغير أنا، والجد ملقى على سرير الموت، وأمي تطالبني بالبكاء، وأنا تائه، ليس في مقلتي ماء.
كان يومًا خريفيًا من أيام تشرين، أركض مع أبي للسيدة زينب، وأنام في حجره للفجر، يوقظني أصوات الباعة الجائلين، والعواجز، والشحاذين. أكرر الحركات مثل أبي، وأنام أمام المقام ساعة. ساعة واحدة فقط كانت تكفي لكي أراها قادمة من بعيد، تحلق بالثياب البيض، وتحملني للسماء.
هل كنت أنا هذا الطفل، أم أنه كان أحدًا سواي؟ لم أعد أعرف الآن، لكنني ما زلت في شوق لتلك الساعة قبل الاحتضار.
كانت براءتنا مخبّأة في كتاب الحساب، عندما التقينا شبابًا نبحث عن الخير في قلوب الصبايا، وعن القمح في حقول الفلّاحين. كنّا ثلاثة، حين انضمّ إلينا القادم من موسكو، شيوعيًّا يحمل شمعةً من كنيسة العذراء ليضيء دروب الفقراء والمهمّشين.
سرنا معًا في طرقات المدينة، يحدونا الحلم بالغد القادم من شموس الطلاب والعمّال والفلاحين. تمدّدنا معًا على أرصفة المدينة الكبيرة التي ابتلعت أحلامنا خلسة، ونام هو في حضن القدّيسين. سرقتنا الحياة دهرًا، حتى لم نجد أنفسنا في أحزاب اليسار ولا اليمين، فانزوينا نبكي على حالنا، ونكتب للقادمين من أعماق الروح شعرًا.
على أرصفة القطارات المحمّلة بالعابرين كتبنا قصصًا عن الفتنة الطائفية ومشعليها، وبين دروب قرانا القديمة ارتحنا قليلًا في قلوب الضعفاء، وارتوينا من قلل الأسطح العتيقة، حيث كانت أمي تفتل لنا من عجين القمح وردًا وشمسًا. كان إذا احتدّ النقاش يأتي صوتها مهدّهدا من بعيد: تريّثوا، فلن يبقى سواكم.
كتفًا بكتف زرعنا المدينة جيئة وذهابًا، فلم نجد شيئًا يذكّرنا بها عند المغيب. كان يعرف أنني سوف أنساه في زحمة الحياة، كعادتي. فهمس في أذني قبل عام: ستتذكرني عندما تتذكرها.. في الرابع عشر من سبتمبر سأرحل.
هل كان نبيًّا يبحث عن ثوبٍ يستر عورته؟ أم أن ألق الرحيل يأتي كرؤيا في المنام؟ لا شيء بيننا الآن.. تعادلنا في الحب: رحلت هي، ورحلت أنت، وبقيتُ أنا. لا شيء آخر يستحق العتاب.
الكتابة صنفان: صنف تكتبه أنت، وصنف يكتبك. يطبعك على الصحائف والورق، يأخذ روحك ويمنحها للحبر. هو حبٌّ يتشكّل على نبض موسيقى سيد درويش، وأشعار فؤاد حدّاد، وعلى امتزاج شوارع منيا ابن خصيب بشوارع وسط البلد في قاهرة المعز.
في تلك المساحة أضاءت مكتبة صغيرة حياتنا، ورسمت حكايتنا مع الأدب والثقافة. كان مصطفى دائمًا ملتقى العشّاق… عشّاقك يا مصر.
جاء هذا الاشتراكي المثقّف ليعلّمنا قيم التواضع، ونهم القراءة، ونظم الأفكار. هكذا كان صديقي وتوأم روحي مصطفى، وهكذا سيظل أيقونةً لنهار سوف يجيء.
لم تحن ساعة الرحيل بعد يا درش، ففي الوقت متّسع للبكاء والفرح والرقص. سأنتظرك يا درش مرة واحدة فقط يا صديقي، بعدها أعدك أن نقول وداعًا. وانتظرت… وغاب زوربا، وغاب مصطفى.







