
تُمثّل قضية الطفل يوسف، ضحية بطولة الجمهورية للسباحة المقامة باستاد القاهرة، مأساة إنسانية مؤلمة هزّت الضمير العام، وأوجعت قلوب المصريين جميعًا، وهي مأساة لا خلاف على جسامتها ولا على وجوب كشف الحقيقة كاملة ومحاسبة من يثبت تقصيره أو خطؤه وفقًا للقانون.
غير أن العدالة لا تُبنى على المشاعر وحدها، ولا تُدار بمنطق الغضب أو الضغط المجتمعي، وإنما تقوم على قواعد قانونية راسخة، في مقدمتها حق الدفاع، الذي يُعد أحد أعمدة المحاكمة العادلة، وضمانة أساسية للوصول إلى الحقيقة دون ظلم أو تعسف.
تأجيل القضية ومنع هيئة الدفاع: مخالفة صريحة للقانون
لقد قررت المحكمة الموقرة تأجيل نظر القضية إلى جلسة 8 يناير للاطلاع، وهو إجراء قانوني سليم يهدف إلى تمكين الخصوم، وعلى رأسهم هيئة الدفاع، من دراسة أوراق الدعوى ومرفقاتها.
إلا أن ما حدث لاحقًا يُثير قلقًا قانونيًا بالغًا، حيث مُنعت هيئة الدفاع بالكامل من الحصول على صورة طبق الأصل من أوراق الدعوى ومرفقاتها، رغم صدور قرار التأجيل للاطلاع، وهو ما يُعد مخالفة صريحة لأحكام قانون المحاماة، وانتهاكًا مباشرًا لحق الدفاع المكفول دستورًا وقانونًا.
فقانون المحاماة كفل للمحامي – بوصفه شريكًا للسلطة القضائية في تحقيق العدالة – الحق في الاطلاع على أوراق القضايا والحصول على صور منها، طالما كان موكلًا بموجب توكيل صحيح، ودون أن يُقيّد هذا الحق بقيود غير مبررة.
لا إدانة مسبقة… والمتهم بريء حتى تثبت إدانته
إننا نؤكد، وبأعلى صوت، أننا لا ندين أحدًا بشكل مسبق، ولا ندافع عن خطأ أو تقصير إن ثبت، ولكننا نتمسك بمبدأ أصيل لا يجوز التفريط فيه، وهو أن:
المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة تتوافر فيها كل ضمانات الدفاع.
وهذا المبدأ لا يخص أشخاصًا بعينهم، بل يشمل جميع المتهمين في القضية، سواء كانوا:
- الحكام العامين،
- المنقذين،
- أو رئيس وأعضاء الاتحاد المصري للسباحة.
فتمكين الدفاع من أداء دوره لا يعني تعطيل العدالة، بل هو الطريق الوحيد لتحقيقها، لأن الحقيقة لا تُكشف إلا في مناخ قانوني عادل تتكافأ فيه الفرص بين الاتهام والدفاع.
تمكين الدفاع مصلحة للعدالة لا للمتهمين فقط
إن حرمان هيئة الدفاع من الحصول على صورة كاملة من أوراق القضية:
- يُقيد حق الدفاع،
- ويُخل بمبدأ تكافؤ الفرص،
- وقد يُعرّض إجراءات المحاكمة لاحقًا للبطلان أو التشكيك.
وهو ما لا يخدم مصلحة أحد، لا أسرة الضحية، ولا الرأي العام، ولا العدالة ذاتها.
كلمة أخيرة
إننا جميعًا نبحث عن الحقيقة والقصاص العادل للطفل يوسف، لكن العدالة الحقة لا تتحقق بإهدار الحقوق، ولا بتجاوز القانون، وإنما بتطبيقه على الجميع دون استثناء.
وتمكين هيئة الدفاع من الاطلاع والحصول على صورة كاملة من أوراق الدعوى ليس منحة، بل حق قانوني أصيل، وضمانة جوهرية لمحاكمة عادلة تفضي إلى حكم يُطمئن الضمير العام، ويُحقق العدالة للضحية دون ظلم لأحد.
على أيوب المحامى بالنقض
المدافع عن الحكم العام فى القضية







