مقالات وآراء

قطب العربي يكتب: احتدام معركة السيطرة على البحر الأحمر

احتدام معركة السيطرة على البحر الأحمر
لا يكتسب الاعتراف الإسرائيلي بدولة أرض الصحراء قيمته فقط من كونه أول اعتراف بتلك الدولة التي لا تعترف بها أي دولة أخرى، ولكن لأن هذا الاعتراف مثل قفزة جديدة في صراع السيطرة الإقليمية والدولية على البحر الأحمر، الذي كان يوصف دوما بأنه بحر إسلامي حيث أن كل الدول المشاطئة هي دول إسلامية (السعودية والأردن واليمن من الجانب الشرقي، ومصر والسودان وأريتريا (نصف سكانها مسلمون)، وجيبوتي والصومال من الجانب الغربي).

لا تملك صومالي لاند ما يغري إسرائيل بالاعتراف بها سوى أنها نافذة مهمة على البحر الأحمر عند مدخله الجنوبي،
حيث تبلغ المسافة بين العاصمة صنعاء وميناء بوصاصو في صومالي لاند مائتي ميل، وليس خافيا رغبة إسرائيل في الانتقام من الحوثيين الذين استهدفوا السفن الإسرائيلية والأمريكية خلال حرب غزة، وقطعوا بدرجة كبيرة حركة الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، ويرغب الإسرائيليون ( وإن لم يعلنوا ذلك صراحة حتى الآن) في إقامة قاعدة عسكرية في أرض الصومال تمكنهم من مواجهة الحوثيين، غير أن الحوثيين بادروا بالإعلان أن أي قاعدة عسكرية ستقام في أرض الصومال ستكون هدفا مباشرا ومشروعا لهم، ولن يسمحوا بإقامتها.

الصراع على النفوذ في البحر الأحمر قديم،
ومحاولات إسرائيل لوضع قدمها فيه قديم أيضا، لكن البحر ظل تحت سيادة الدول العربية المشاطئة له، وإن التزمت بقوانين الملاحة الدولية البحرية، التي لا تمنع أي سفن من المرور بما فيها السفن الإسرائيلية، والجدير بالذكر أن مخالفة قواعد الملاحة الدولية من الجانب المصري بمنع مرور سفن إسرائيلية تسبب في حرب 1967.

تحرك عربي إسلامي
الآن يدخل طرفان جديدان على خط المواجهة في البحر الأحمر من خلال أرض الصومال وهما إسرائيل التي كانت أول دولة تعترف رسميا بها، وإثيوبيا التي تدعي أحقيتها التاريخية بالوصول إلى مياه البحر الأحمر، كما أنها عقدت العام الماضي مذكرة تفاهم تسمح لها ببناء ميناء بحري (مدني وعسكري) على طول 20 كيلو متر مقابل الوعد بالاعتراف بها، ورغم أن الاعتراف لم يتم فعليا حتى الآن إلا انه مرجح بشدة الآن بعد الاعتراف الإسرائيلي، هذا الدخول الإسرائيلي الأثيوبي سيلهب التنافس الدولي في البحر الأحمر، وإدراكا منها لخطورته بادرت 23 دولة ومنظمة عربية وإسلامية بإصدار بيان لوزراء خارجيتها لرفض الاعتراف الإسرائيلي، وهذه الدول هي تركيا ومصر والسعودية والجزائر وجزر القمر وجيبوتي وجامبيا وإيران والعراق والأردن والكويت وليبيا والمالديف ونيجيريا وسلطنة عمان وباكستان وفلسطين وقطر وجمهورية الصومال الفيدرالية والسودان واليمن، بالإضافة إلى منظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية.

في بيان منفصل ألمحت جامعة الدول العربية إلى جانب خفي آخر للاعتراف الإسرائيلي وهو تسهيل مخططات التهجير القسري للشعب الفلسطيني،
واستباحة موانئ الصومال لإنشاء قواعد عسكرية فيها، ومن المعروف أن أرض الصومال ظلت مرشحة لاستقبال مهجرين محتملين من غزة عبر اتفاقات غير معلنة مع الجانب الإسرائيلي، ومن المحتمل أيضا أن تبدأ إسرائيل في نقل بعض الغزاويين إليها ضمن الرحلات التي تقوم بتسييرها حاليا، لكن ما يجدر توضيحه في هذا الإطار هو وجود معارضة كبيرة للتطبيع مع إسرائيل داخل أرض الصومال من الكثير من القبائل، وقد خرجت بعض المظاهرات الرافضة للتطبيع والداعمة للحق الفلسطيني ولغزة مؤخرا.

هذا الاستنفار العربي الإسلامي ضد الاعتراف الإسرائيلي لن يقف عند حدود الكلمات والبيانات،
بل على الأرجح سيتبعه عمل لمواجهة هذا التغلغل الإسرائيلي، وحتى الأثيوبي إلى شواطيء البحر الأحمر، فبيان الجامعة العربية نفسه طالب الأمانة العامة للجامعة بوضع خطة عمل عربية – أفريقية مشتركة تحُول دون إحداث أي تغيير في الوضع الأمني والجيوسياسي القائم، ومنع أي تهديد لمصالح الدول العربية والأفريقية في هذه المنطقة الحيوية، ومصر من ناحيتها وقعت في منتصف أغسطس 2024 بروتوكول تعاون عسكري مع دولة الصومال، وبموجبه زادت عديد القوة المصرية ضمن قوات حفظ السلام الأفريقية، وكان ذلك ردا على مذكرة التعاون الاثيوبي مع إقليم صومالي لاند، وستواصل تحركها لمواجهة ما تعتبره حصارا وتطويقا إسرائيليا لها من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يؤثر على الأوضاع الأمنية من ناحية، كما يؤثر على حركة الملاحة في قناة السويس التي تشهد عبور ما بين 50 و60 سفينة يومياً( في الأوقات الطبيعية)، أي حوالي 20 ألف سفينة سنويا ما يقرب من 30% من حركة الحاويات العالمية، وقد خسرت القناة المصرية 50% من إيراداتها خلال عامي حرب غزة بسبب التوتر في البحر الأحمر وهجمات الحوثيين على السفن الإسرائيلية والأمريكية.

تحالف إسرائيلي اثيوبي إماراتي
معركة النفوذ في البحر الأحمر لا تقتصر على دخول إسرائيل وإثيوبيا، لكنها أيضا تشمل الإمارات التي تمثل حليفا قويا لكليهما، حيث يسيطر حليفها طارق صالح (ابن شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح) على ميناء المخا المطل على باب المندب مدخل البحر الأحمر الجنوبي، كما تدعم الإمارات مساعي المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن للانفصال، وتكوين دولته المستقلة، وهو ما يمنحها نفوذا قويا في منطقة خليج عدن ومدخل البحر الأحمر أيضا، ويمكنها من محاصرة السودان أيضا دعما لميليشيات الدعم السريع المتحالفة معها.

الدور الإماراتي الأخير أزعج المملكة العربية السعودية رغم الشراكة بين الطرفين ضمن قوات التحالف العربي في اليمن،
ودفع المملكة لطرد الإمارات بشكل كامل من اليمن، وكذا طرد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من المحافظات التي سيطر عليها مؤخرا مثل حضرموت والمهرة، وفي منتصف نوفمبر الماضي انتهت مناورات (الموج الأحمر 8) في مدينة جدة السعودية، بمشاركة قوات بحرية من مصر والسعودية والأردن والسودان واليمن وجيبوتي، بهدف مجابهة التهديدات البحرية غير النمطية، وهي استمرار للمناورات التي بدأت منذ العام 2019 عقب تشكيل تحالف إقليمي بقيادة سعودية للدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر شمل 7 دول هي السعودية ومصر والسودان وجيبوتي واليمن والصومال والأردن.

تركيا وإيران على الخط
دولتان إسلاميتان أخريان دخلتا مبكرا معركة النفوذ في البحر الأحمر وهما إيران التي أوجدت لنفسها مكانة من خلال حلفائها الحوثيين في اليمن، والذين أثبتوا قدرات كبيرة في مواجهة الملاحة الإسرائيلية والأمريكية إلى حد دفع واشنطن لتشميل تحالف دولي لمواجهتهم، غير أن هذا التحالف لم يفدها، واضطرت إلى التفاهم مع الحوثيين لوقف هجماتهم بحق السفن الأمريكية فقط، أما الدولة الثانية فهي تركيا التي وصلت إلى الصومال مبكرا عبر المساعدات الإغاثية أثناء المجاعة في العام 2011، وأعادت تركيا بناء ميناء مقديشيو البحري ومطارها أيضا، وفي العام 2017 أنشأت قاعدة عسكرية، وتعتبر إسرائيل أن اعترافها بأرض الصومال سيمنحها الفرصة لمواجهة النفوذ التركي في الصومال، كما سيمنحها فرصة الالتفاف على مصر من الجنوب، ناهيك عن الإضرار بالأمن السعودي وهو ما دفع الدول الثلاث إلى تحالف اضطراري(حلف الضرورة) حفاظا على أمنهم القومي. . في كل الأحوال فإننا أمام احتدام لمعركة النفوذ على البحر الأحمر والتي من المتوقع أن تشهد تطورات جديدة خلال الايام المقبلة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى