مركز حريات يصدر دراسة حول سياسة القوة المستعارة وبناء النفوذ الإماراتي

سياسة القوة المستعارة.. كيف تبني الإمارات نفوذها الإقليمي عبر الميليشيات والمرتزقة؟
دراسة استراتيجية – تحليلية
مركز حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية – 2026
تتناول هذه الدراسة التحليلية كيفية بناء وإدارة النفوذ الإقليمي لـ الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما في عهد محمد بن زايد، عبر أدوات غير تقليدية تتجاوز منطق الدولة الوطنية الكلاسيكي. وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن الإمارات نجحت في تعويض محدودية مواردها الديموغرافية والعسكرية بتوظيف شبكة مركبة من الميليشيات المحلية والمرتزقة الدوليين والشركات العسكرية الخاصة، ضمن إطار يجمع بين الطموح الذاتي والدور الوظيفي داخل الاستراتيجيات الأمريكية–الإسرائيلية.
تفكك الدراسة دوافع هذا التوجه وأنماط القوى المستخدمة ومجالات التطبيق في اليمن وليبيا والسودان والقرن الإفريقي، وترصد التداخل بين المصالح الإماراتية ومتطلبات النظامين الإقليمي والدولي. وفي المقابل، تحلل المخاطر البنيوية لهذا النموذج وحدود استدامته واحتمالات ارتداده أمنيًا وسياسيًا.
مقدمة: صعود قوة جديدة بأدوات غير تقليدية
حتى مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لم تُصنَّف الإمارات فاعلًا مركزيًا أمنيًا أو عسكريًا، إذ ارتبط حضورها بدور اقتصادي حذر. غير أن تحولات ما بعد 2011 دفعتها لإعادة تعريف موقعها وأدوات نفوذها. خلال العقد الأخير انتقلت من “القوة الناعمة” إلى “القوة الأمنية التدخلية” عبر منظومة غير تقليدية تُدار عن بُعد وبكلفة سياسية داخلية منخفضة.
ارتكز التحول على ثلاثة أهداف: (1) منع تكرار موجات التغيير الثوري ودعم قوى مضادة للثورات، (2) منافسة محاور إقليمية صاعدة وعلى رأسها تركيا وقطر في ملفات الإسلام السياسي، (3) بناء قوة صلبة تتجاوز قيود الجيوش الخليجية التقليدية. وفي هذا السياق، برزت الإمارات كفاعل يجيد إدارة “حروب الوكالة” في انسجام مع استراتيجيات أمريكية–إسرائيلية أوسع.
أولًا: دوافع الإمارات لبناء شبكة ميليشيات ومرتزقة
- قيود القوة التقليدية: محدودية السكان والعمق الديمغرافي دفعت إلى نموذج “القوة بالوكالة” لتقليل الخسائر والكلفة السياسية.
- تجاوز الوزن الطبيعي: شبكات النفوذ غير المباشر تفرض حضورًا تفاوضيًا يفوق الحجم.
- استثمار فراغات الدولة: بيئات ما بعد الانهيار (ليبيا، اليمن، السودان، القرن الإفريقي) مساحات مفتوحة لإعادة تشكيل الموازين.
- صراع أيديولوجي هجومي: تحجيم الإسلام السياسي حتى لو على حساب تماسك الدولة الوطنية.
- انسجام دولي: تقاطع وظيفي مع أولويات واشنطن وتل أبيب في الملاحة واحتواء الخصوم.
ثانيًا: أنواع الميليشيات والمرتزقة المعتمدة
- ميليشيات محلية وقبلية: اليمن (الحزام الأمني/الانتقالي)، ليبيا (دعم قوات حفتر)، السودان (الدعم السريع).
- مرتزقة دوليون: من كولومبيا وأوغندا ورواندا وجنوب إفريقيا وتشاد ونيبال لمهام الحماية والتدريب والعمليات الخاصة والإنكار السياسي.
- شركات عسكرية خاصة: واجهة تعاقدية للتجنيد والتدريب والاستخبارات واللوجستيات.
- وحدات إماراتية خاصة: تدخلات دقيقة، إسناد وتوجيه ميداني.
الخلاصة: نموذج قوة هجينة متعددة الطبقات يحقق مكاسب سريعة ويترك هشاشة بنيوية.
ثالثًا: الدور الذاتي والدور الوظيفي
- الدور الذاتي: السيطرة على الموانئ والممرات (عدن، سقطرى، بربرة، عصب)، منع صعود الإسلاميين، مزاحمة السعودية، التأثير في خرائط العبور الطاقوي.
- الدور الوظيفي: موازنة النفوذ التركي، دعم إسرائيل مقابل إيران في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تنفيذ سياسات مناهضة للثورات، شراكة أمنية بحرية مع واشنطن.
يتقدم الدور الوظيفي بوصفه الأصل المؤسس، وينمو الدور الذاتي داخله وبفضله.
رابعًا: نماذج تطبيقية
اليمن: هندسة “دولة موازية” عبر تشكيلات متعددة، ضرب الحكومة والإصلاح، السيطرة على الموانئ والجزر.
ليبيا: تحويل حفتر إلى أداة وظيفية لإسقاط المسار التوافقي عبر تسليح ومرتزقة ومسيرات.
السودان: دعم الدعم السريع لإعادة توازن القوة والتحكم في مسارات الذهب والتجارة.
القرن الإفريقي: الموانئ قبل الدول؛ تموضع عسكري–تجاري على الممرات الحيوية.
خامسًا: المخاطر الاستراتيجية
- هشاشة الولاءات وقابلية الانقلاب.
- ارتداد أمني واستهداف المصالح.
- تضييق المناورة بفعل منافسة السعودية وعودة تركيا ودبلوماسية قطر.
- ضعف الاستدامة لغياب العمق والجيش الوطني الكبير.
- صناعة أعداء دائمين وذاكرة عدائية محلية.
سادسًا: خلاصات استراتيجية
النفوذ الإماراتي قوة مستعارة مُدارة أكثر منه قوة سيادية مكتملة: فاعلية تكتيكية قصيرة المدى تقابلها هشاشة بنيوية. نجاح التدخل لا يضمن استدامة الخروج، والشرعية المحلية الغائبة تُراكم خصومات مؤجلة.
خاتمة: حدود القوة ومآلات المشروع
يكشف النموذج عن صعود سريع قائم على إدارة الفوضى لا بناء الاستقرار. الاندماج الوظيفي يمنح حماية مرحلية لكنه يقيّد الاستقلال. يبقى السؤال الحاسم:
هل تنتقل الإمارات من إدارة الفوضى إلى صناعة الاستقرار، ومن القوة المستعارة إلى نفوذ قائم على الشراكة والشرعية؟
دون ذلك، سيظل النفوذ قويًا في الظاهر هشًّا في العمق، ناجحًا في الإرباك عاجزًا عن بناء نظام إقليمي مستقر.




