مقالات وآراء

د.رضوان المصمودي يكتب: الإسلام..الديمقراطيّة.. والدولة المدنية

قلّة من المصطلحات السياسية يساء استخدامها بقدر مصطلح «الإسلامي»، فقد بات يُطلق بلا تمييز على مصلحين ديمقراطيين ومتطرفين عنيفين على حدالسواء. وبهذا الاستخدام الفضفاض، فقد المصطلح قيمته التحليلية، واكتسب في المقابل ضررًا سياسيًا جسيمًا. فهو يشوّه الواقع، ويُلصق ظلمًا وصمةً بملايين المسلمين الذين يؤمنون بعمق بالدين والديمقراطية معًا

أرفض هذا الوصف. أنا مسلم ديمقراطي، ولست إسلاميًا. وهذا التمييز ليس شكليًا أو لغويًا، بل يمس جوهر العلاقة بين الدين والسلطة.

فالمسلم الديمقراطي يستلهم القيم الأخلاقية من إيمانه، مع التزام راسخ بالتعدّدية، والمواطنة المتساوية، والديمقراطية الدستورية. أما «الإسلامي» بالمعنى السياسي الشائع، فيسعى إلى جعل الدين نفسه المبدأ المنظّم للدولة. الأول يرى في الدين مصدرًا للإلهام الأخلاقي، بينما يحوّله الثاني إلى أداة للسلطة السياسية.

الدين ينبغي أن يوجّه الضمير، لا أن يفرض الحكم على الآخرين. فالقرآن الكريم يؤكد مرارًا قيم العدل، والرحمة، والكرامة الإنسانية، وهي قيم تنسجم انسجامًا طبيعيًا مع المبادئ الديمقراطية. كما أن «صحيفة المدينة» التي أرساها النبي محمد صلى الله عليه وسلم قدّمت نموذجًا مبكّرًا للتعددية المدنية، حيث قامت جماعة سياسية على أساس الحقوق والواجبات المشتركة بين المسلمين واليهود وغيرهم، مستندة إلى التشاور والرضا، لا إلى الهيمنة الدينية.

نشأت الحركات الإسلامية السياسية الحديثة في القرن العشرين كرد فعل على الاستعمار والاستبداد. ورغم وعودها بالتجديد الأخلاقي، فإنّ الكثير منها ما خلط بين الدين والأيديولوجيا. وحين يتحول الدين إلى أساس للسلطة السياسيّة، يُعاد توصيف الخلاف باعتباره كفرًا أو خروجًا، وتختفي المساءلة.

يقدّم الإسلام الديمقراطي مسارًا مختلفًا. فهو يؤكد أن بإمكان المسلمين المشاركة الكاملة في الحياة العامة دون فرض معتقداتهم على غيرهم. ويتمسّك بمبدأ الدولة المدنية التي تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان و المذاهب و المعتقدات، وتحمي حرية الضمير للجميع. ويمكن للأخلاق الإسلامية أن تُرشد الخيارات السياسية الفردية، لكنها لا يجوز أن تطغى على المؤسسات الديمقراطية أو الحقوق الفردية.

وقد مثّلت تونس بعد عام 2011 أوضح تجسيدًا معاصرًا لهذا التوجّه. فبعد سقوط الدكتاتورية، صاغ التونسيون أحد أكثر الدساتير تقدمًا في العالمين العربي و الإسلامي. وجلس الفاعلون السياسيون، علمانيون وإسلاميون، على طاولة واحدة، وتحاوروا، وتوصّلوا إلى تسويات، وحكموا معًا. وأعادت حركة النهضة، التي طالما وُصفت بأنها ”إسلامية“، تعريف نفسها بوعي كحزب مسلم ديمقراطي، وفصلت بين النشاط الديني والعمل السياسي، وأقرت مبدأ الدولة المدنيّة.

ولنحو عقد من الزمن، أثبتت تونس أن الإسلام والديمقراطية ليسا نقيضين. كانت مؤسساتها هشة وغير مكتملة، لكنها كانت حقيقيّة: انتخابات تنافسية، وإعلام حر، وقضاء مستقل، ونساء في مواقع قيادية. وقد نشأت الممارسة الديمقراطية عبر التوافق لا الإكراه.

ويقدّم التاريخ مقارنة دالة. فبعد الحرب العالمية الثانية، نجحت الحركات الديمقراطية المسيحية في أوروبا في التوفيق بين القيم الدينية والديمقراطية الليبرالية. وأسهم التزامها بكرامة الإنسان والتضامن والمسؤولية الاجتماعية في إعادة بناء دول مثل ألمانيا وإيطاليا، وترسيخ النظام الديمقراطي الأوروبي بعد الحرب. ولم تُضعف القيم الدينية الديمقراطيّة، بل دعمت استقرارها.

ورغم ما تشهده تونس اليوم من عودة مقلقة إلى الاستبداد، فإن إرث عقدها الديمقراطي لم يختف. فما زال المجتمع المدني، والصحفيون، والمواطنون العاديّون يدافعون سلميًا عن حريّاتهم. وتبقى تونس دليلًا على أن الديمقراطية المسلمة ليست فكرة نظرية، بل تجربة عاشت وامتحنت ونجحت، ولو مؤقتًا.

إن كلفة التخلي عن هذا المسار واضحة اليوم. فمن غزة إلى السودان، ومن سوريا إلى اليمن، و الآن في تونس مجددًا، أدّى انهيار الحكم الخاضع للمساءلة إلى دمار واسع، ونزوح جماعي، وعدم استقرار مزمن، وفقر مدقع. وهذه الأزمات ليست إخفاقات للدين، بل نتائج مباشرة للحكم الاستبدادي.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة بالنسبة للمسلمين في الغرب. فكثيرًا ما يُوصم أي مسلم يتحدث عن إيمانه في المجال العام بأنه «إسلامي». بينما يدخل المسيحيون واليهود الحياة السياسية مسترشدين بقناعاتهم الأخلاقية دون أن يُختزلوا في صور نمطية. ومصطلح «المسلم الديمقراطي» يعبّر بدقة عمّا نمثله حقًا: ديمقراطية تستند إلى القيم، لا إلى فرض الدين بالقانون.

وهذه ليست مسألة مصطلحات فقط، بل قضية هوية ومبدأ. فالمسلم الديمقراطي يرى في الديمقراطية التزامًا أخلاقيًا بحماية الحرية والكرامة الإنسانية. فالدين بلا حرية يقود إلى النفاق، والسلطة بلا مساءلة تقود إلى الظلم و الطغيان.

في جوهرها، ليست الديمقراطية مجرد نظام إجرائي. إنها النظام السياسي الأقدر على صون حقوق الإنسان، والمساواة، والكرامة، وتحويل هذه القيم إلى سلام وتنمية مستدامة واستقرار حقيقي. فالمجتمعات التي تُحكم بالرضا والمساءلة وسيادة القانون أقل عرضة للعنف، وأكثر قدرة على حل النزاعات بالطرق السلميّة..

والعكس صحيح. فالدكتاتوريات، سواء كانت علمانية أم دينيّة، لا تنتج استقرارًا حقيقيًا. إنها تصنع استقرارًا زائفًا مؤقتًا عبر الخوف، ثم تدمره بالقمع. وفي أنحاء واسعة من الشرق الأوسط وخارجه، أفرغ الحكم السلطوي المؤسسات من مضمونها، وسحق الحياة المدنية، وأشعل دوامات من العنف والتطرّف. وعندما تُغلق سبل المشاركة السلمية، يجد الغضب مسارات مدمّرة.

ومن منظور إسلامي، لا تُعد الديمقراطية فرضًا خارجيًا، بل النظام السياسي الأكثر انسجامًا مع الرؤية الأخلاقية للإسلام ومع المبادئ الكونية لحقوق الإنسان. فالمساواة أمام القانون، وحرية التعبير، وحرية الفكر، والعدل، والسلام ليست قيمًا غربية، بل هي قيم إنسانية متجذرة بعمق في تعاليم الإسلام. وأي نظام يقمعها باسم الدين إنما يخون الدين والإنسان معًا.

ويحسم القرآن هذا الأمر بوضوح: «لا إكراه في الدين». فالإيمان يفقد معناه حين يُفرض بالقوة. ولا يجوز للدولة أن تفرض الدين أو تراقب الضمائر عبر القانون أو الترهيب أو الضغط الاجتماعي. فالعقيدة لا تكون صادقة إلا إذا كانت اختيارًا حرّا، وأي نظام سياسي يلاحق الضمير يهدم الدين الذي يدّعي حمايته.

وترتكز الدولة المدنية الديمقراطية على مبدأ بسيط و جوهري: أن تكون الحكومة من الشعب، وبإرادة الشعب، ولخدمة الشعب. ويتمتع جميع المواطنين بحقوق متساوية، و يتحملون واجبات متساوية أمام القانون، بغض النظر عن دينهم أو توجهاتهم السياسية و المذهبيّة. وتنبع الشرعية السياسية من رضا المحكومين، لا من ادعاءات التفويض الإلهي أو النقاء الأيديولوجي.

وفي العالم الإسلامي، الصراع الحقيقي ليس بين الإسلام والعلمانية، بل بين الديمقراطية والاستبداد. وتطرح الديمقراطية الإسلامية مسارًا وسطًا، يثري فيه الإيمان الحياة العامة دون أن يحتكرها، وتكون فيه الحكومات في خدمة المواطنين لا في ضبط معتقداتهم.

ولهذا أُعرّف نفسي كمسلم ديمقراطي. فإيماني هو بوصلتي، والديمقراطية هي وطني السياسي. وتظل التجربة التي قدّمتها تونس يومًا، لمواطنين مسلمين و غير مسلمين يحكمون أنفسهم بالحوار والتسامح والحرية، الدليل الأوضح على طريق أكثر عدلًا واستقرارًا لمستقبلنا المشترك.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى