مقالات وآراء

روبا مرعي تكتب: عالم ما بعد القانون: حين تتحوّل الطاقة إلى سلاح إمبراطوري

لم يعد ما يجري في العالم قابلًا للفهم بمنطق الأحداث المنفصلة أو الأزمات العابرة. نحن لا نعيش تصعيدًا سياسيًا عاديًا، بل لحظة انتقال تاريخي تتهاوى فيها الأسس التي قام عليها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ذلك النظام الذي قام، نظريًا، على القانون الدولي، واحترام السيادة، وضبط القوة، يتفكك اليوم على مرأى من الجميع، دون محاولة جدية لإخفاء السقوط أو تجميله.

العالم يدخل طورًا جديدًا، أقل أخلاقية وأكثر فجاجة، تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق القوة العارية. لم تعد الحدود خطوطًا نهائية، ولا الشرعية مرجعية ملزمة، ولا المؤسسات الدولية أكثر من ديكور عاجز. في هذا المشهد، يعود قانون الغاب ليحكم، حيث يهاجم القوي الضعيف لا لأنه يشكّل خطرًا، بل لأنه عاجز عن الرد.

ضمن هذا السياق، لا يمكن قراءة ما يجري تجاه فنزويلا بوصفه نزاعًا ثنائيًا أو عقوبة سياسية. فنزويلا ليست دولة عادية في الحسابات الأميركية، بل عقدة استراتيجية في قلب الصراع العالمي على الطاقة، وتحديدًا في المواجهة الصامتة بين الولايات المتحدة والصين.

تبيع فنزويلا نحو تسعين في المئة من نفطها إلى الصين، وكذلك تفعل إيران التي باتت سوقها النفطية مرتبطة ببكين رغم العقوبات. هاتان الدولتان وحدهما تؤمّنان ما يقارب خمسة وثلاثين في المئة من واردات الصين الطاقوية. وعندما يُضاف إلى ذلك الشرق الأوسط، الذي يلبّي نحو خمسة وثلاثين في المئة أخرى من احتياجات الصين من الطاقة، تتضح معادلة بالغة الخطورة: ما يقارب سبعين في المئة من أمن الطاقة الصيني مرتبط بمناطق تقع ضمن نطاق النفوذ الأميركي أو قابلة للضغط المباشر.

هنا تحديدًا يصبح النفط أداة جيوسياسية لا تقل فتكًا عن السلاح. فالصين، رغم قوتها الصناعية والتكنولوجية، تبقى دولة تعتمد بنيويًا على استيراد الطاقة. أي خلل مستدام في هذا الشريان لا ينعكس فقط على اقتصادها، بل على قدرتها العسكرية وطموحها الاستراتيجي في تحدي الهيمنة الأميركية. التحكم بالطاقة يعني التحكم بحدود القوة الصينية، ودفعها نحو التكيّف بدل المواجهة.

أهمية فنزويلا لا تقتصر على موقعها في معادلة التصدير، بل في طبيعة نفطها. فالنفط الثقيل عالي الكثافة، الذي صُمّمت المصافي الأميركية لمعالجته، لا يتوافر إلا في ثلاث مناطق رئيسية في العالم: فنزويلا وكندا وروسيا. ومع تراجع الإمدادات من هذه المصادر، تعطّل جزء أساسي من المصافي الأميركية، خصوصًا بعد أن خفّضت كندا صادراتها الخام، واتجهت إلى بناء مصافي داخل أراضيها وتنويع شركائها التجاريين، ردًا على سياسات أميركية عدائية بلغت حد التلويح بضمّها.

في هذا السياق، تمثّل السيطرة على فنزويلا حلًا استراتيجيًا مزدوجًا لواشنطن. إعادة تشغيل مصافيها المتوقفة، والتحكم بسوق النفط الثقيل، وفي الوقت نفسه خنق الصين طاقويًا دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. إنها حرب تُدار بالأنابيب والعقود، لا بالدبابات.

ولا يتوقف الأمر عند الطاقة. فقد استثمرت الصين خلال السنوات الماضية مليارات الدولارات في أميركا اللاتينية، من البنى التحتية إلى الموانئ والتعدين. أي هيمنة أميركية كاملة على فنزويلا تعني تلقائيًا ضرب هذه المشاريع وتقويض النفوذ الصيني في القارة، وإعادتها إلى موقع “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة، كما كانت طوال القرن العشرين.

بعد غزة، لم يعد من المجدي التذرّع بالقانون الدولي أو الخطاب الأخلاقي. الإبادة هناك لم تكشف فقط ازدواجية المعايير، بل أسقطت آخر أقنعة النظام العالمي نفسه. لم تعد الولايات المتحدة تحسب حسابًا للأمم المتحدة، ولا لأوروبا، ولا لأي منظومة جماعية. القرار بات أحاديًا، والشرعية تُستمد من القوة وحدها.

في هذا العالم الجديد، لا يتصرّف ترامب كملك تُقيّده المؤسسات، بل كإمبراطور يكتب القواعد بيده. ويعيد رسم الخرائط وفق مصالح الطاقة والنفوذ. وما فنزويلا إلا إحدى ساحات هذا التحوّل العنيف، الذي ينذر بعالم أقل استقرارًا، وأكثر قسوة، تُدار فيه السياسة من بوابة النفط، وتُحسم فيه الصراعات قبل أن تبدأ.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى