صحيفة لوموند الفرنسية : أصبح المصريون من أبرز الجنسيات الإفريقية المهاجرة إلى أوروبا عبر البحر المتوسط

أظهرت بيانات أوروبية حديثة أن المصريين باتوا في صدارة الجنسيات الإفريقية التي تسلك طريق الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، في ظل تصاعد غير مسبوق في أعداد المغادرين خلال السنوات الأخيرة، خاصة عبر المسار الليبي – الإيطالي.
وسُجل خلال عام 2025 أكثر من 16 ألف عملية عبور غير نظامية لمواطنين مصريين حتى نهاية شهر نوفمبر، غادر معظمهم من السواحل الليبية في اتجاه إيطاليا، بينما توجهت أعداد أقل عبر البحر إلى اليونان، في مؤشر واضح على اتساع رقعة الظاهرة وتنوع مساراتها.
وتكشف هذه الأرقام أن المصريين أصبحوا إحدى أكبر المجموعات على طرق الهجرة البحرية في البحر الأبيض المتوسط، بعد أن ظل هذا المسار خلال سنوات طويلة مرتبطًا بجنسيات أخرى من إفريقيا جنوب الصحراء، قبل أن يشهد تحولًا لافتًا في تركيبته البشرية.
قصص إنسانية خلف الأرقام
وراء هذه الإحصاءات قصص إنسانية قاسية تلخص حجم المأساة. أحد المهاجرين المصريين، يبلغ من العمر 31 عامًا، غادر مدينة المحلة الكبرى شمال القاهرة متجهًا إلى ليبيا، ثم عبر البحر المتوسط دون تأشيرة نحو السواحل الأوروبية. يقول إنه اتخذ قراره رغم معرفته بثمنه الباهظ، إذ علم فور وصوله إلى ليبيا أن زوجته حامل، لكنه لم يتمكن من العودة.
وبعد سنوات من الغياب، لم يرَ ابنته التي تبلغ اليوم خمس سنوات سوى في الصور، ولم يسمع صوتها إلا عبر الهاتف، في تجربة يصفها بأنها “لا تُحتمل”، لكنها – رغم قسوتها – لم تجعله يندم على القرار الذي اتخذه تحت ضغط الظروف.
رحلة محفوفة بالمخاطر
في إحدى أمسيات ديسمبر، جلس المهاجر ذاته برفقة ابن أخيه، البالغ من العمر 23 عامًا، في إحدى ضواحي باريس، بعد رحلة طويلة بدأت من مصر، مرورًا بليبيا، ثم أيام عصيبة في عرض البحر على متن قارب متجه إلى جزيرة لامبيدوزا الإيطالية.
ويصف المهاجران الرحلة بأنها كانت محاولة “للهروب من حياة بائسة”، مشيرين إلى أنهم قضوا عدة أيام في البحر وسط مخاطر الغرق وسوء الأحوال الجوية، قبل أن يصلوا إلى اليابسة منهكين جسديًا ونفسيًا.
تصاعد الظاهرة خلال خمس سنوات
على مدار السنوات الخمس الماضية، فرّ آلاف المصريين بحرًا، ليشكلوا إحدى أكبر المجموعات على طرق الهجرة غير النظامية. وفي عام 2022 تحديدًا، تصدّر المصريون قائمة الجنسيات الأكثر وصولًا إلى أوروبا، بعدد قُدّر بنحو 22 ألف شخص، ما عكس وقتها حجم الأزمة المتفاقمة داخل البلاد.

ويرى متابعون أن هذا التصاعد يرتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية متراكمة، من بينها تراجع فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتضاؤل الأفق أمام فئات واسعة من الشباب، ما يدفعهم إلى المجازفة بحياتهم بحثًا عن مستقبل أفضل.
سياق أوروبي ضاغط
يأتي هذا الارتفاع في وقت تشدد فيه الدول الأوروبية من إجراءات الرقابة على الحدود، وتكثف عمليات الرصد والإنقاذ في البحر المتوسط، وسط نقاشات حادة داخل الاتحاد الأوروبي حول سياسات الهجرة واللجوء، وكيفية الموازنة بين البعد الإنساني والاعتبارات الأمنية.
ويحذر مختصون من أن الاكتفاء بالحلول الأمنية لن يحد من الظاهرة، مؤكدين أن معالجة جذور الهجرة غير النظامية تبدأ من دول المصدر نفسها، عبر سياسات اقتصادية واجتماعية تقلل من دوافع الهجرة، وتمنح الشباب بدائل حقيقية داخل أوطانهم.






