مقالات وآراء

إسلام الغمري يكتب: ما بعد كاراكاس.. عصر الافتراس العالمي..هل حان دور عواصمنا

لم تكن المشاهد القادمة من فنزويلا في مطلع هذا العام (2026) مجرد فصلٍ جديد من فصول الغطرسة الأمريكية المعتادة، بل كانت إعلان وفاة رسمي لنظام عالمي عرفناه، وميلاد نظام آخر أكثر وحشية ورعباً. فحين نرى رئيس دولة ذات سيادة يُعتقل ويُساق مخفوراً إلى واشنطن، وحين تتحدث الوقائع الميدانية المتداولة عن إدارة مفاصل دولة كاملة بمنطق القوة العسكرية المباشرة، فإننا لا نتابع حدثاً لاتينياً بعيداً، ولا مجرد أزمة محلية معزولة، بل نتابع ــ بغضّ النظر عن التفاصيل التنفيذية الدقيقة التي قد تختلف رواياتها ــ البروفة النهائية لمسار جديد في العلاقات الدولية، مسار قد يطرق أبواب منطقتنا العربية والإسلامية أسرع مما يتخيل المتفائلون.

إن الخطأ القاتل الذي قد ترتكبه نخبنا العربية اليوم هو قراءة ما جرى في فنزويلا من زاوية “جنون ترامب” أو تهوره الشخصي، وكأن ما حدث نزوة عابرة لرئيس مثير للجدل. الحقيقة الأشد مرارة هي أن دونالد ترامب ليس مجنوناً، بل هو “التنفيذي” الأكثر صراحة ووقاحة لمشروع الدولة العميقة الأمريكية في نسختها الجديدة؛ نسخة قررت خلع القفازات الحريرية، وإسقاط ورقة التوت المسماة “القانون الدولي”، والعودة الصريحة إلى منطق القرون الوسطى: الحق لمن يملك القوة، ومن لا يملكها لا حق له ولا حماية.

فنزويلا: المختبر والرسالة

لماذا فنزويلا؟ لأنها النموذج الأمثل للاختبار. دولة غنية بالموارد (النفط والذهب)، تتبنى نهجاً مناوئاً للهيمنة، وتعاني هشاشة اقتصادية وبنيوية. ما جرى هناك ــ وفق منطق المصالح لا وفق الذرائع المعلنة ــ هو عملية سطو مسلح على مستوى الدول. الذريعة المعلنة هي المخدرات أو “استعادة الديمقراطية”، لكن الهدف الحقيقي هو الخزائن، والأصول، والسيطرة المباشرة على المنابع. لقد تحوّل الجيش الأمريكي، عملياً، من “شرطي العالم” كما كان يروّج لنفسه، إلى شركة أمنية عملاقة مهمتها وضع اليد على الموارد الاستراتيجية بالقوة القاهرة عندما ترى أن الكلفة السياسية أقل من العائد الاقتصادي.

والرسالة التي أرسلتها واشنطن عبر “صندوق بريد” كاراكاس إلى العالم، وإلى حلفائها قبل خصومها، كانت واضحة وحادة كحد السيف: انتهى زمن الحماية، وبدأ زمن الجباية المباشرة. لم تعد الولايات المتحدة معنية بإسقاط الأنظمة عبر “الثورات الملونة” أو “الوكلاء المحليين”، فهذه الأدوات باتت بطيئة ومكلفة وغير مضمونة النتائج. الحل الجديد، في عالم يتجه نحو الفوضى، هو التدخل الجراحي المباشر، والسيطرة على المنبع دون وسيط، مع ترك العالم يتجادل لاحقاً حول المسميات القانونية.

الصمت الدولي: المؤامرة الصامتة

الأخطر من الفعل الأمريكي نفسه هو رد الفعل الدولي. الصمت الروسي “المريب”، والبراغماتية الصينية “الباردة”، يكشفان عن وجه آخر أكثر قتامة للمشهد. نحن، على الأرجح، أمام ملامح “يالطا جديدة” غير معلنة، حيث يُعاد تقسيم مناطق النفوذ بهدوء، وتُترك بعض الدول لتكون أوراق مقايضة على طاولة الكبار. قد تكون موسكو، مثلاً، قد قبلت بخسارة فنزويلا في الفناء الخلفي الأمريكي، مقابل غضّ نظر أو صمت غربي عن طموحاتها في أوكرانيا وأوروبا الشرقية، وقد تكون بكين قد قررت أن معركتها الحقيقية مؤجلة إلى توقيت آخر.

وهذا يقودنا إلى حقيقة مرعبة يجب ألا نهرب منها: في النظام العالمي الجديد، الضعفاء ليسوا طرفاً في المعادلة، بل هم الوجبة التي يتم التفاوض عليها. لا أحد يدافع عنك لأنك مظلوم، ولا أحد يحميك لأنك صاحب حق، بل لأنك تملك أوراق قوة تجعل كلفة افتراسك أعلى من عائده.

نحن الهدف التالي… ولكن بأي صيغة؟

إذا أسقطنا هذا المشهد على عالمنا العربي والإسلامي، فإن الصورة تبدو قاتمة، وإن اختلفت الأدوات من حالة إلى أخرى. فالتكرار هنا لا يعني النسخ الحرفي لتجربة فنزويلا، بل تكرار المنطق نفسه بأدوات تتكيّف مع خصوصية كل منطقة. ونحن، للأسف، نمتلك كل “مغريات” الفريسة:
1. الموقع والموارد: نحن خزان الطاقة العالمي، وممر التجارة الدولية. وإذا كانت فنزويلا قد استُهدفت بسبب نفطها، فما الذي يمنع تكرار السيناريو في الخليج أو شمال أفريقيا تحت ذرائع مختلفة: حماية الطاقة، مكافحة الإرهاب، أو حتى “ضمان استقرار الأسواق”؟
2. الفراغ الاستراتيجي: العالم العربي يعيش حالة انكشاف غير مسبوقة. الاعتماد التاريخي على “الحماية الأمريكية” تحوّل من ضمانة إلى خطر وجودي. فالحامي هو نفسه الذي قد يتحول إلى ناهب عندما يقرر أن كلفة الحماية لم تعد مجدية، وأن الاستحواذ المباشر أوفر اقتصادياً وأسرع سياسياً.
3. تآكل السيادة: مفهوم الدولة الوطنية في منطقتنا يعاني من التفتت، سواء بسبب الصراعات الداخلية، أو الارتهان الخارجي، أو سوء الإدارة. وهذا التآكل يجعل من السهل على “الوحش” القادم أن يستفرد بالدول واحدة تلو الأخرى، كلٌّ بحسب هشاشته الخاصة.

ما العمل؟ خارطة طريق للنجاة

إن دق ناقوس الخطر ليس دعوة لليأس، بل للاستنفار. الوقت يداهمنا، لكن الفرصة لم تُغلق بالكامل بعد، إذا امتلكنا الإرادة السياسية والشجاعة الاستراتيجية. إن مواجهة هذا الخطر الداهم تتطلب تحركاً فورياً على ثلاثة مسارات متوازية:

أولاً: امتلاك “المخالب” (توطين القوة الدفاعية)
لم يعد شراء السلاح كافياً، فالسلاح المستورد يأتي دائماً بشروط صانعه. الدرس التركي هنا ملهم وضروري؛ يجب على الدول العربية والإسلامية الكبرى (مصر، السعودية، تركيا، باكستان) الاستثمار المكثف وغير التقليدي في توطين الصناعات الدفاعية، خصوصاً أدوات الردع غير المتماثل: الصواريخ، المسيّرات، الدفاع الجوي. العالم لا يحترم إلا من يستطيع أن يوجع، أو على الأقل أن يرفع كلفة الاعتداء عليه.

ثانياً: التحصين الاقتصادي (فك الارتباط بالدولار)
ما دامت ثرواتنا مقوّمة بعملة الخصم، ومودعة في مصارفه، فنحن رهائن مهما امتلكنا من جيوش. يجب تسريع خطوات التبادل التجاري بالعملات المحلية، وبناء تكتلات اقتصادية حقيقية، وتخزين الاحتياطيات من الذهب والسلع الاستراتيجية داخل أراضينا، لا في خزائن الآخرين.

ثالثاً: تحالف الضرورة (ما قبل “الناتو الإسلامي”)
لم تعد الخلافات البينية ترفاً يمكن احتماله. الخطر القادم لا يفرّق بين مطبّع ومقاوم، ولا بين حليف وخصم. المطلوب ليس إعلان تحالف ضخم دفعة واحدة، بل بناء كتلة حرجة تدريجية: تنسيق دفاعي، تبادل استخباري، وتفاهم استراتيجي بين القوى المركزية في العالم الإسلامي، على أساس وحدة المصير لا وحدة الشعارات.

كلمة أخيرة

إن ما حدث في فنزويلا ليس حادثاً عابراً، بل جرس إنذار أخير. النظام العالمي الجديد لا مكان فيه للضعفاء، ولا يعترف بالحدود، ولا يوقّر الحلفاء. إما أن نكون دولاً تمتلك قرارها وأدوات قوتها، أو نكون الحملان التالية في مأدبة عالم لا يعرف سوى منطق الافتراس.اللهم قد بلغت… اللهم فاشهد.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى