
عندما أعلن ترامب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في عملية عسكرية «خالية من الأخطاء» أُطلق عليها اسم «عملية العزم المطلق»، لم يكن يفتح فقط فصلاً جديدًا في العلاقات الأمريكية مع فنزويلا، بل استحضر تاريخًا طويلًا ومعقدًا من التدخل الأمريكي في شؤون دول أخرى، وهو تاريخ كان ترامب نفسه قد انتقده بشدة في خطاباته السابقة المناهضة «لحروب التدخل».
فقد أكد البيت الأبيض أن الهدف من العملية هو «ضمان انتقال آمن وسليم ومدروس» للسلطة في فنزويلا، في خطوة تُذكّر بعشرات الحالات المشابهة التي قامت فيها الولايات المتحدة، عبر عقود، بدور مباشر أو غير مباشر في إسقاط أو محاولة إسقاط أنظمة حكم حول العالم.
تاريخ مُعقَّد من إيران إلى بنما
فالقائمة طويلة من الحالات التي تدخلت فيها الولايات المتحدة لإسقاط قادة دول؛ بعضهم كان دكتاتورًا، وبعضهم الآخر قادة منتخبين ديمقراطيًا، لأسباب تراوحت بين مكافحة الشيوعية وحماية المصالح الاقتصادية.
إيران 1953: انقلاب مصدق
في 19 أغسطس 1953، ساعدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سي آي إيه»، بالتعاون مع المملكة المتحدة، في تدبير انقلاب أطاح برئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق، الذي كان قد أمم صناعة النفط الإيرانية التي كانت تُدار سابقًا من قبل شركات بريطانية.
وكان الهدف تعزيز حكم الشاه محمد رضا بهلوي الموالي للغرب.
غواتيمالا 1954: الإطاحة بآربينز
في يونيو 1954، أُطيح بالرئيس المنتخب ديمقراطيًا في غواتيمالا جاكوبو آربينز في عملية مدعومة من «سي آي إيه»، بعد أن أثارت سياساته الإصلاحية الزراعية واليسارية قلق المسؤولين الأمريكيين خلال الحرب الباردة.
العراق فبراير 1963: نهاية عبد الكريم قاسم
دعمت الاستخبارات الأمريكية انقلابًا نفذه حزب البعث ضد الحكومة اليسارية بقيادة عبد الكريم قاسم، الذي اعتُبرت سياساته الموالية للشيوعية تهديدًا للمصالح الغربية.
كوبا 1961: فشل غزو خليج الخنازير
حاولت الولايات المتحدة الإطاحة بالزعيم الكوبي فيدل كاسترو من خلال غزو خليج الخنازير، الذي انتهى إلى واحد من أكثر إخفاقات السياسة الخارجية الأمريكية إحراجًا.
فيتنام الجنوبية 1963: اغتيال دييم
اغتيل نغو دينه دييم، زعيم فيتنام الجنوبية الموالي لأمريكا، في انقلاب عسكري مدعوم من «سي آي إيه» بعد أن فقدت واشنطن الثقة بقدرته على إدارة الحرب.
غزو بنما 1989: إسقاط مانويل نورييغا
أطلق جورج بوش الأب عملية عسكرية لغزو بنما في ديسمبر 1989 لإسقاط الحاكم العسكري مانويل نورييغا، العميل السابق للاستخبارات الأمريكية، الذي حُوكم لاحقًا في الولايات المتحدة بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات.
احتلال العراق 2003
غزا تحالف بقيادة أمريكية العراق في عام 2003، وانتهى الأمر بإعدام الرئيس صدام حسين.
ليبيا 2011: نهاية القذافي
دعمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الإطاحة بمعمر القذافي خلال انتفاضة الربيع العربي، حيث كانت القوة الجوية والاستخبارات الأمريكية حاسمتين في انهيار نظامه.
مفارقة ترامب: من الناقد إلى المنفّذ
المفارقة التي يسلط عليها الضوء اليوم أن ترامب، الذي شن هجمات لاذعة على سياسات التدخل الأمريكية في الماضي ووصف حرب العراق بأنها «أسوأ قرار في تاريخ أمريكا»، يقوم اليوم بتنفيذ واحدة من أكثر عمليات التدخل جرأة في التاريخ الأمريكي الحديث.
ما نراه اليوم تناقض صارخ بين خطاب ترامب السابق المناهض للتدخل وممارسته الحالية.
إن اعتقال مادورو يمثل استمرارًا للتقاليد الأمريكية في التدخل لتغيير الأنظمة، وإن كان بأسلوب أكثر مباشرة وعسكرة مما شهدناه في السنوات الأخيرة.
وقد أثارت عملية اعتقال مادورو ردود فعل دولية متباينة؛ إذ رحبت بها دول مثل كولومبيا والبرازيل، بينما استنكرتها روسيا والصين وكوبا، محذّرة من «عودة الاستعمار الجديد» و«انتهاك السيادة الوطنية».
من جهتها، دعت الأمم المتحدة إلى «ضبط النفس» و«احترام القانون الدولي»، فيما يتابع العالم بقلق تطورات الأوضاع في فنزويلا التي تعاني أصلًا من أزمة اقتصادية وإنسانية طاحنة.
يبقى السؤال الأكبر: هل ستنجح عملية إسقاط مادورو في تحقيق «الانتقال الآمن» الذي تتحدث عنه واشنطن، أم أنها ستفتح الباب أمام فوضى أكبر في فنزويلا ومنطقة أمريكا اللاتينية؟
التاريخ يحمل دروسًا مختلطة؛ فبينما نجحت بعض عمليات التدخل الأمريكية في تحقيق أهدافها قصيرة المدى، خلّفت العديد منها إرثًا من عدم الاستقرار والعداء لأمريكا.
وما هو مؤكد اليوم أن «عملية العزم المطلق» أضافت حلقة جديدة إلى السلسلة الطويلة من بلطجة رعاة البقر، وسيُحكم على نتائجها ليس فقط بمعايير نجاحها العسكري المباشر، بل بآثارها الطويلة المدى على الشعب الفنزويلي، وعلى مصداقية السياسة الخارجية الأمريكية في عالم يزداد تعدديةً وتشككًا في حق أي قوة بفرض إرادتها على دول أخرى.







