لبنان بين شبح الحرب وحسابات الردع: لماذا يُرجَّح التصعيد المحدود وتُستبعد المواجهة الشاملة؟

على وقع التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة خلال الأيام الأخيرة، يعيش لبنان حالة ترقّب حذرة ومفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل مخاوف من توسّع رقعة العدوان بذريعة عدم نجاح الدولة اللبنانية في نزع سلاح “حزب الله”، بينما تشير تقديرات سياسية وتحليلية إلى أن خيار الحرب الشاملة لا يزال مستبعدًا في المرحلة الراهنة، مقابل ترجيح استمرار تصعيد عسكري محدود تحكمه اعتبارات إقليمية ودولية معقّدة.
وتأتي هذه التهديدات في سياق إقليمي شديد الحساسية، تتداخل فيه ملفات غزة وسوريا وإيران، إلى جانب الحسابات الأمريكية والإسرائيلية المتعلقة بإدارة الصراع لا تفجيره، وهو ما ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية.
تصعيد ميداني وخروقات متواصلة
خلال الأسابيع الماضية، تصاعد الحديث في إسرائيل عن استكمال الجيش إعداد خطط عسكرية لشن “هجوم واسع” على مواقع تابعة لـ“حزب الله”، في حال عدم تنفيذ الحكومة والجيش اللبنانيين تعهداتهما المتعلقة بتفكيك سلاح الحزب.
ويتزامن ذلك مع استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، عبر غارات شبه يومية، وعمليات استهداف محدودة، إضافة إلى مواصلة احتلال خمس تلال لبنانية في الجنوب استولت عليها إسرائيل خلال الحرب الأخيرة، فضلًا عن مناطق لبنانية أخرى ما زالت تحت الاحتلال منذ عقود.
ويُنظر إلى هذا الواقع باعتباره عامل ضغط دائم، يُبقي الجبهة الجنوبية في حالة اشتعال منخفض الوتيرة، دون الانزلاق حتى الآن إلى مواجهة شاملة.
حصيلة الحرب الأخيرة وسياق ما بعدها
وكان اتفاق وقف إطلاق النار قد أنهى عدوانًا إسرائيليًا على لبنان بدأ في أكتوبر 2023، قبل أن يتحول إلى حرب شاملة في سبتمبر 2024، وأسفر عن أكثر من أربعة آلاف قتيل ونحو سبعة عشر ألف جريح، إلى جانب دمار واسع في البنية التحتية، خاصة في جنوب البلاد والضاحية الجنوبية لبيروت.
ومنذ انتهاء تلك الحرب، لم تدخل الجبهة اللبنانية مرحلة تهدئة كاملة، بل انتقلت إلى ما يشبه “إدارة الصراع”، حيث تتواصل الضربات المحدودة والرسائل العسكرية المتبادلة، ضمن سقف محسوب بعناية.
خطاب سياسي إسرائيلي متشدد
على المستوى السياسي، برزت خلال الفترة الأخيرة تصريحات إسرائيلية تصعيدية، كان أبرزها ما صدر عن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي اعتبر أن المواجهة مع “حزب الله” باتت حتمية، وأن كلفة الحرب الآن أقل من كلفتها في حال تأجيلها.
وتُقرأ هذه التصريحات، وفق تقديرات سياسية، في إطار الضغوط الداخلية داخل إسرائيل، ومحاولات بعض أركان الحكومة اليمينية المتشددة فرض أجندة عسكرية أكثر حدة، دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار فعلي بالحرب الشاملة.
الرهان اللبناني على الدبلوماسية
في المقابل، يتمسّك الموقف الرسمي اللبناني بخيار تجنّب الحرب، مع مواصلة المساعي الدبلوماسية. وكان الرئيس اللبناني جوزاف عون قد أعلن في ديسمبر الماضي أن “شبح الحرب تم إبعاده عن لبنان”، في إشارة إلى نتائج اتصالات سياسية إقليمية ودولية هدفت إلى احتواء التصعيد.
ويعكس هذا الموقف إدراكًا رسميًا لحجم الكلفة التي قد تترتب على أي مواجهة واسعة، في ظل أوضاع اقتصادية ومالية بالغة الهشاشة، وبعد سنوات من الأزمات المتراكمة.
الدور الأمريكي كعامل حاسم
تشير غالبية التقديرات إلى أن الموقف الأمريكي يشكّل العامل الحاسم في تحديد سقف التصعيد. فإسرائيل، وفق هذه القراءة، لا يمكنها خوض حرب شاملة على لبنان دون دعم سياسي وعسكري مباشر من واشنطن.
وتلفت هذه التقديرات إلى أن الولايات المتحدة منشغلة حاليًا بإعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية، مع تركيز متزايد على ملفات داخلية وأمريكية لاتينية، إلى جانب السعي لاحتواء توترات الشرق الأوسط بدل فتح جبهات جديدة قد تربك حساباتها.
ويُنظر إلى هذا الانشغال باعتباره أحد أبرز الأسباب التي تحول دون إعطاء الضوء الأخضر لحرب واسعة على لبنان في الوقت الراهن.
لماذا يُستبعد خيار الحرب الشاملة؟
يرى محللون أن أي حرب واسعة قد تؤدي إلى إعادة “حزب الله” إلى نمط المواجهة الشاملة، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي وعدم الانسحاب من الأراضي اللبنانية، ما قد يفتح جبهة طويلة الأمد ذات كلفة عسكرية وبشرية عالية.
كما أن الوضع الداخلي الإسرائيلي لا يبدو مهيأً لمواجهة جديدة، في ظل اعتراض شريحة واسعة من المستوطنين على الدخول في حرب أخرى، وسعيهم للعودة إلى مستوطناتهم ضمن ظروف أمنية ومعيشية مستقرة، إضافة إلى تعقيدات المشهد السياسي الداخلي واقتراب استحقاقات انتخابية حساسة.
أدوات ضغط أقل كلفة
في ضوء هذه المعطيات، يُرجَّح أن تعتمد إسرائيل على أدوات بديلة عن الحرب الشاملة، تشمل:
- عمليات عسكرية محدودة ومركزة
- ضربات جوية انتقائية
- ضغوط اقتصادية ومالية غير مباشرة
- عرقلة جهود إعادة الإعمار
- افتعال توترات أمنية محسوبة
وتهدف هذه الأدوات، وفق التقديرات، إلى ممارسة ضغط متواصل على “حزب الله” والدولة اللبنانية، دون تجاوز الخطوط التي قد تفرض ردًا واسعًا.
ملف السلاح والمهل السياسية
يظل ملف سلاح “حزب الله” في صلب التصعيد القائم، خاصة في ظل حديث عن منح الحكومة اللبنانية مهلة محدودة لمعالجة هذا الملف شمال نهر الليطاني، بما يساهم مؤقتًا في تخفيف احتمالات الحرب.
لكن هذه المهلة، وفق قراءات سياسية، لا تعني وقف الاعتداءات الإسرائيلية، إذ يُتوقع استمرار الاغتيالات والتوغلات المحدودة، إلى جانب تكثيف الضربات في مناطق شمال الليطاني والمناطق الشرقية المحاذية للحدود السورية، بذريعة استهداف مخازن أسلحة استراتيجية.
واقع داخلي شديد التعقيد
وكانت الحكومة اللبنانية قد أقرت في أغسطس 2025 حصر السلاح بيد الدولة، بما في ذلك سلاح “حزب الله”، ورحبت لاحقًا بخطة تنفيذية من خمس مراحل أعدّها الجيش اللبناني. غير أن الحزب أعلن مرارًا رفضه نزع سلاحه، معتبرًا أن ذلك يضعف لبنان في مواجهة إسرائيل، ومطالبًا بانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة.
خلاصة المشهد
في المحصلة، يبدو لبنان عالقًا في منطقة رمادية بين الحرب والسلام، حيث يستمر التصعيد الإسرائيلي ضمن سقف محسوب، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مقابل رهان لبناني على المسار الدبلوماسي وتوازنات الإقليم.
وبينما تبقى احتمالات الانفجار الواسع قائمة نظريًا، تشير المعطيات الراهنة إلى أنها مؤجلة بفعل الحسابات الدولية، لا ملغاة بالكامل.






