سعد مرتضى.. السفير الذي دشن مرحلة “السلام البارد” في ذكراه

يوافق اليوم الرابع والعشرون من فبراير ذكرى واقعة دبلوماسية وتاريخية قلبت موازين الصراع في الشرق الأوسط، حين تسلم السفير سعد مرتضى مهام منصبه كأول سفير لجمهورية مصر العربية لدى إسرائيل في عام ألف وتسعمائة وثمانين ميلادية، وتمثل هذه الخطوة التجسيد العملي لاتفاقية السلام (كامب ديفيد)، حيث تزامن وصول مرتضى إلى تل أبيب مع وصول إلياهو بن إليسار كأول سفير إسرائيلي إلى القاهرة، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من العلاقات الرسمية، وكان سعد مرتضى، الذي وصفه الدكتور بطرس غالي بأنه “سيدخل التاريخ بهذا المنصب”، دبلوماسياً محترفاً استطاع أن يدير مهمة هي الأصعب في تاريخ الخارجية المصرية، مغلباً لغة البروتوكول والهدوء في بيئة كانت تضج بالتوتر والرفض الشعبي العربي لهذه الخطوة في ذلك الوقت.
“مهمتي في إسرائيل”.. رؤية دبلوماسية من الداخل
ترك السفير سعد مرتضى خلفه وثيقة تاريخية هامة في كتابه “مهمتي في إسرائيل” الصادر عن دار الشروق، والذي قدم فيه قراءة مغايرة لما اعتادت عليه الأدبيات العربية في تناول الدولة العبرية، وابتعد مرتضى في مذكراته عن لغة الشعارات، مفضلاً تقديم “تشريح دبلوماسي” للمجتمع الإسرائيلي من الداخل، حيث رصد العادات والتقاليد، وتحدث عن قدرة الإسرائيليين على الابتكار والتكيف السريع، مع اعترافه بمهارتهم وتصلبهم في التفاوض، ويعد الكتاب مرجعاً لفهم العقلية السياسية الإسرائيلية وكيفية تعامل المسؤولين هناك مع الحقائق الميدانية، بعيداً عن البروباجندا، مما جعل من تجربة مرتضى ليست مجرد مهمة سياسية، بل دراسة استقصائية لمجتمع كان يمثل لسنوات طويلة “العدو المجهول” خلف خطوط النار.
دروس في التفاوض والوعي السياسي بين ضفتي السلام
أشار السفير سعد مرتضى في شهادته التاريخية إلى بعض السمات التي لمسها في الجانب الآخر، ومنها “المرونة التكتيكية” وعدم الالتزام الجامد بالنصوص النظرية، بل الاعتماد على الأمر الواقع والقوة كأدوات مكملة للحق، ونوه مرتضى في مذكراته بمدى تقدم الوعي السياسي لديهم وثقتهم في إعلامهم الذي يواجههم بالحقائق المرة والخسائر العسكرية بصراحة، وهي ملاحظات أراد من خلالها السفير الأول تنبيه صانع القرار والقارئ العربي إلى طبيعة “الخصم” الذي تحول إلى “طرف في معاهدة”، وتظل رحلة سعد مرتضى في الرابع والعشرين من فبراير لعام ألف وتسعمائة وثمانين محطة فارقة، رسمت ملامح ما عُرف لاحقاً بـ “السلام البارد”، وأثبتت أن الدبلوماسية هي السلاح الأكثر تعقيداً في مواجهة الأزمات الكبرى.







