مقالات وآراء

عبد الرحيم علي يكتب: الإمام الأكبر.. ثمانون عامًا من الطِّيبِ والطِّيبَةِ..

أكتب اليوم عن عالمٍ زاهدٍ عاش عمره كله لا يعرف الكُلْفَةِ ولا التَّكَلُّفِ، مشبعًا بالحب، ومجبولًا على العطاء. وُلد في أسرة صوفية محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته الكرام؛ أسرة معجونة بالطيب والطيبة. شقيقه الأكبر الشيخ محمد الطيب شيخًا للطريقة «الخلوتية»، وقد سُمِّيت الطريقة بهذا الاسم نسبة إلى الخلوة، التي كان يعتكف فيها مشايخ الطريقة الكبار، ينقطعون فيها عن الناس لشهور، يذكرون فيها اسم الله آناء الليل وأطراف النهار، حتى أُطلق على أتباع هذه المدرسة الصوفية السنية «أهل الخلوة».

وبمرور الزمن، قام أصحاب هذه المدرسة بتدشين الطريقة الخلوتية لتضم جميع الأتباع والمريدين الذين يعتنقون المنهج الخلوتي.

نشأ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الجامع الأزهر، الذي أتم بالأمس عامه الثمانين، في هذه المساحة والساحة «ساحة الشيخ الطيب»، التي تقع بالقرنة بالبر الغربي بمدينة الأقصر، أسّسها الشيخ أحمد محمد أحمد الطيب الحساني، جد شيخ الأزهر، وهي من أكبر الساحات على مستوى الأقصر، ويتردد عليها المئات من الفقراء والمحتاجين يوميًا، خاصة في شهر رمضان المبارك، طلبًا لقضاء حوائجهم وحل مشكلاتهم بالطرق الودية.

معرفتي بالدكتور الطيب قديمة، تعود إلى سنوات بعيدة مضت، بدأت بالتحديد في شهر أكتوبر من عام 2009، إبان كان الإمام رئيسًا لجامعة الأزهر. قبلها بالطبع كنت قد تعرفت عليه من خلال كتاباته وأفكاره المستنيرة التي ضمنها أكثر من خمسة عشر كتابًا ما بين التأليف والترجمة، بعضها في المنطق ككتابه «مدخل لدراسة المنطق القديم»، والآخر في الفقه والتصوف والفلسفة ككتابه «الجانب النقدي في فلسفة أبي البركات البغدادي»، إضافة إلى ترجماته من وإلى الفرنسية التي يجيدها بطلاقة.

وقد تطورت علاقتي الشخصية بالدكتور أحمد الطيب منذ دعاني فيصل القاسم، مذيع قناة الجزيرة، لكي أكون ضيفًا على برنامجه الشهير «الاتجاه المعاكس»، لحلقة حول مشروعية «نقاب المرأة» في الشريعة الإسلامية. وكان الدافع وراء إجراء تلك المناظرة مع أحد مشايخ سوريا، آنذاك، الشيخ عبد الرحمن كوكي، حدثًا مصريًا بطله شيخ الأزهر السابق الدكتور محمد سيد طنطاوي؛ إذ كان الإمام الأكبر يزور إحدى مدارس الأزهر، وعندما دخل يتفقد فصلًا دراسيًا لفتيات في عمر ما بين السادسة والتاسعة، فشاهد إحداهن منتقبة.

الفصل، كما أخبرني شيخ الأزهر فيما بعد، بنات، والمدرسة امرأة، والبنات في عمر ما بين السادسة والتاسعة؛ فقال لها مداعبًا: لماذا تلبسين هذا اللباس يا ابنتي؟ وأمرها بخلعه قائلًا: أنا شيخ الجامع الأزهر، وأقول لكِ إنه ليس عبادة، ولكنه عادة، يا بنيتي.

وإذا بكتائب الإخوان وأتباعهم يهيجون في العالم كله، مطالبين بخلع شيخ الأزهر لإهانته ما أسموه بنقاب المرأة الذي يحفظ عفتها، واتهموه باتهامات شتى، جميعها، يعلم الله، كذبًا وزورًا وبهتانًا، ولكنها كانت فرصة لتصفية حسابات سياسية مع الشيخ الذي تصدى لتطرفهم وأفكارهم المقيتة ردحًا من الزمن، نَسَجا على منوالٍ قديمٍ جديدٍ في اختلاقِ المعاركِ وتصفيةِ الحساباتِ مع خصومهم، بطريقةٍ مبتذلة، عندما يُهزَمون في ساحةِ العلمِ والفكر، ولا يطيقون المواجهة.

كان دوري في الحلقة؛ وهذا هو السبب الذي دعا معدي الحلقة لاختياري، هو موقفي السابق والمعلن من فكرة النقاب باعتباره عادة وليس عبادة، ومقالاتي التي أكدت فيها على أن المتطرفين استخدموه كثيرًا في ارتكاب جرائمهم الإرهابية، بل وبعض الجرائم الجنسية أيضًا. كانت الحلقة ساخنة جدًا، لكنها انقلبت إلى هجوم غير مبرر وسافل، أُعد سلفًا بين الضيف والمذيع، على الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر كعالم وإنسان، وانبريت أنا للدفاع عن الشيخ وأفكاره المستنيرة، وقدمت كافة الأسانيد العلمية والفقهية التي تؤكد أن النقاب عادة وليس عبادة.

ولكن النقاش احتد بيني وبين الضيف والمذيع، الذي سرعان ما تخلى عن حياديته، وانضم لضيفه من سوريا في الهجوم على مصر كبلد، وعلى شيخ الأزهر كعالم ومكانة. وتطور الأمر إلى التطاول والسباب، فطلبت منهم قرب نهاية الحلقة أن يوضحوا للمشاهدين ما هو الأهم في أولويات الأمة: هل هو تحرير هضبة الجولان أم الالتزام بلبس النقاب؟ وعندما رد الضيف بأن ارتداء النقاب هو بداية تحرير الأرض، طلبت منه أن يعتلي منبر المسجد الأموي فور أن يصل إلى دمشق، ويدعو السيدة أسماء الأسد إلى ارتداء النقاب لنبدأ تحرير الأرض من هذه اللحظة. وهنا انفعل الضيف والمذيع، وحولوا الدفة إلى هجوم على مصر وشيخ الأزهر، واشتد سبابهم المذموم لعدم امتلاكهم لأي أدوات يواجهون بها ما قدمته في بداية الحلقة من أسانيد علمية وفقهية حول عدم فرضية النقاب.

وانتهت الحلقة بعبارتي الشهيرة التي وجهتها لهما آنذاك: إن حذاء شيخ الأزهر أشرف منكم جميعًا.

عدت إلى القاهرة في اليوم التالي، وفاجأني الرئيس الراحل محمد حسني مبارك بمكالمة يوم الجمعة، وكانت الحلقة يوم الثلاثاء على ما أتذكر، يسألني فيها عما جرى في الحلقة ولماذا احتد النقاش، وكان مهتمًا أن يعرف تحليلي لإلقاء السلطات السورية القبض على الشيخ عبد الرحمن كوكي الذي ناظرني في الحلقة فور وصوله إلى مطار دمشق.

شكرت الرئيس على تفضله بالاتصال والاطمئنان والتشجيع، وفور انتهاء المكالمة مباشرة فوجئت باتصال من المرحوم الشيخ محمد سيد طنطاوي مباشرة من تليفونه الخاص، يشكرني ويدعوني فيها لزيارته بالمشيخة.

ذهبت في اليوم التالي لزيارته، وكان يوم سبت، وإذا باستقبال حافل من الشيخ ومعاونيه، وكان حاضرًا وقتها الصديق الشيخ خالد الجندي، الذي أجرى معي حوارًا خاصًا في برنامجه بقناة أزهري، آنذاك، حول موضوع تلك المناظرة وكواليسها.

في هذا اليوم أهداني شيخ الأزهر عباءة جميلة كان قد أُهديت له في نفس اليوم من وزير الأوقاف الإماراتي، والأهم أنه أهداني صداقة ما زلت أشرف بها مع الدكتور أحمد الطيب، الذي كان يشغل منصب رئيس جامعة الأزهر، آنذاك.

عالِمًا مُستنيرًا..

عرفت الدكتور الطيب بعد ذلك عالِمًا مستنيرًا، يتسم بسعة الأفق، وانضباط المنهج، والانفتاح على كل الآراء. وكان لي شرف التنبؤ بتعيينه شيخًا للأزهر، مع الزميل عمر أديب، على الهواء، عندما كان الاختيار محصورًا بينه وبين الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، عقب وفاة الدكتور سيد طنطاوي بعد أداء العمرة بالأراضي المقدسة ودفنه هناك في البقيع، لتكون رسالة أخيرة لكل المتنطعين من الإخوان وحلفائهم الذين هاجموه وادعوا عليه ما ليس فيه، حول حسن الخواتيم.

استمرت علاقتي بالدكتور أحمد الطيب طوال تلك السنوات، تقابلنا كثيرًا، وتناقشنا في كل القضايا تقريبًا. وكانت آخر زيارة لي لمكتبه في الجامع الأزهر بصحبة وفد فرنسي كنت قد استضفته لزيارة البلاد ولقاء شيخ الأزهر والبابا تواضروس ورئيس الحكومة، وبالطبع عددًا من الأماكن السياحية الهامة، ومكتبة الإسكندرية، وقناة السويس.

أكرمني الإمامُ الأكبرُ كثيرًا في هذه المقابلة، وشكا لهم من أنني منذ سافرتُ إلى باريس ندرت زياراتي له إلى حدٍّ كبير، واستدعى أمامهم ذكرياتٍ عديدةً بيني وبينه، منها تلك الحلقة التي دافعتُ فيها عن الدكتور سيد طنطاوي، رحمه الله، وعن الأزهر وعلمائه.

عندما كنت أتحدث مع الصحافة الفرنسية والغربية حول سماحة الأزهر وأفكار إمامه الأكبر، لم يكن أحد يصدق ما أقول، حتى جلسوا إليه، وفوجئوا بأن ما كنت أقوله هو غيض من فيض علم الإمام وحكمته، وهو ما أكدوه ودبجوه في مقالات عديدة عندما عادوا إلى بلادهم.

وكان أهم ما قاله الإمام الورع التقي الصوفي في ذلك اللقاء، الذي استمر لأربع ساعات كاملة، ولاقى استحسانًا كبيرًا منهم هنا في الغرب، أن على المسلمين في أوروبا والغرب عمومًا أن يحترموا قوانين الدول التي يعيشون فيها، موضحًا أن هذه القوانين بمثابة «عقد اجتماعي» بينهم وبين تلك الدول، يقوم على طاعة القوانين الخاصة بالبلدان التي يعيشون ويعملون بها، موضحًا أنه مستعد للذهاب إلى المريخ، وليس لأوروبا، لشرح هذه القيم الحقيقية للإسلام!

وأضاف: إن هناك قوى خارجية أنفقت مليارات الدولارات لتشويه رسالة الأزهر في الغرب وتجنيد مسلمين مضلين ومضللين لتلك المهمة، أما الإسلام الحقيقي الذي يمثله الأزهر، فهو دين تعايش، لا صدام.

أتذكر اليوم كل تلك المحطات في علاقتي بالإمام الأكبر، وأقول لفضيلته؛ في عيد مولده الثمانين:

فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب..
دام الله بقاؤك بيننا إمامًا مستنيرًا، تذود عن صحيح الدين وجوهر الإسلام، وإلى الوسطية السمحة، وينفع الله بك ديننا وأمتنا.
وكل عام وفضيلتكم بألف خير، وصحة، ورضا من الله.

باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى