
اكتشفتُ وفاة أمي بعد 6 أشهر من رحيلها
لم أتعلم البكاء دفعةً واحدة.
تعلمته متدرّجًا، كما يتعلم المرء لغةً جديدة حين تضيق لغته عن حمل الفاجعة.
ستّ سنواتٍ قضيتُها بين موسكو، ولندن والقاهره
أتنقّل بين اوراق البحث ودفاتر الأسئلة، أواصل دراساتي العليا في معهد الاستشراق، وأتتلمذ على يد عالمٍ جليل، هو الدكتور فيتالي ناؤمكن، المستشرق الذي علّمني أن المعرفة ليست تراكم معلومات، فقط بل امتحان أخلاقي للإنسان أمام نفسه.
كانت تلك السنوات نافذتي الأوسع على عظمة الأدب الروسي، وعلى بلدٍ كان يترنّح تحت ثقل ما بعد البيريسترويكا، في زمنٍ قاسٍ يصلح أن يكون فصلًا كاملًا من رواية مأساة يونانيه كبرى.
عرفتُ روسيا في لحظة انهيارها كما يُعرف الإنسانُ في لحظة ضعفه
مدنٌ تبحث عن معنى جديد، بشرٌ يفاوضون الجوع والذاكرة معًا،
وأدبٌ قديم يمدّ يده ليقول: لا خلاص إلا بالفهم العميق للنفس البشرية.
هناك، في شتاءات موسكو الثقيلة، اقتربتُ من تشيخوف ودوستويفسكي وتولستوي، لا بوصفهم أسماءً في مناهج، بل رفقاء طريق يشرحون هشاشه التجربة دون وعظ.
لكن الرحلة، بكل ما فيها من فكرٍ ومعرفة، كانت تسير نحو امتحانٍ آخر، أكثر قسوةً وأشدّ إنسانية
عام 1994 في لندن، جلستُ إلى جوار أمي في غرفة العناية المركزة بمستشفى مجدي يعقوب.
عشرون يومًا أو يزيد، كنتُ أبكيها وهي بين الحياه والموت،
أبكيها في الطرقات المحيطة بالمستشفى،
في الشوارع الصامتة، وفي الصلوات المرتبكة.
وحين جاء الموت، جاء صامتًا
تجمّدت دموعي.
غادرَت، وعدتُ معها: من لندن، الي القاهرة، ثم الإسكندرية، حتى مدافن المنارة حيث ترقد الآن.
بعد لحظة الرحيل، لم أبكِ. كأن الروح ادّخرت الدمع لوقتٍ آخر.
مرت الشهور، وعدتُ إلى موسكو
يوم مناقشة رسالة الدكتوراه، أُعلن النجاح. خرجتُ مسرعًا، أعدو لا فرحًا، بل لهفة.
دخلتُ أقرب بزنس سنتر، ورفعتُ سماعة الهاتف، وضعتُ كود مصر، وبدأت أكتب رقم البيت في المنصورة: 32… 32
وقبل أن يكتمل الرقم، اكتشفتُ الحقيقة كاملةً
أمي ماتت دون ان تسمع الخبر الذي انتظرته سنوات.
توقّف إصبعي. علي قرص التليفون.
توقّف الزمن.
وانفتح البكاء دفعةً واحدة
لا بكاء الفرح كما ظنّ الزملاء، بل بكاء الاكتشاف المتأخر، بكاء من أراد أن يشارك أمّه نجاحه، فاكتشف الغياب.
في تلك اللحظة فقط، فهمتُ الأدب الروسي كما يجب أن يُفهم
فهمتُ أن المأساة ليست في الموت، بل في التأجيل.
في أن تعرف الحقيقة بعد فوات زمن المشاركة.
في أن تنجح وحدك، حين كان النجاح وعدًا بينك وبين من تحب.









