مقالات وآراء

عبد الرحيم يكتب: ضِفافُ الحَنينِ

أكتبُ كلَّ يومٍ للغرباء،
وللمنفى،
لحائطٍ يجترُّ الحنين،
لامرأةٍ تقبعُ في زاويةِ الخوف،
لطفلٍ يهربُ من القادمين من بعيد،
للعجائزِ في طُرقاتِ الحزن،
وللورقِ المطويِّ بين كتبِ البناتِ الصغيراتِ يحكي قصصِ الحب،
للجدائل،
للشمس،
للهواء حين يزفره مرضى الربو،
للميّتين على طُرقاتِ الوحدة،
للضعفاء،
للجوعى،
لي.

أكتبُ لي حين تنهشني مراكبُ الذكريات،
وتُبحرُ بي إلى المدى المحفوفِ بالصمت.

رماديُّ الهوى كنتُ،
وجنوبيُّ العشق ما زلتُ،
تائهًا في الأرض،
لم أزل،
لا أجدُ نفسي.

لكنني، في كلِّ مساءٍ،
أستحضرُ الوجوهَ التي تقبعُ على ضفّةِ الروح،
وأبدأُ في التذكّر…

المستشار صلاح حافظ:
يُخاصمك الآن قلبي، ونصفُ الطريقِ ونصفُ الرغيفِ .. ونصفُ الطريق ونصف المسافةِ ما بين قلبي والبراءة.
يخاصمك الآن طعمُ الزهورِ
وصمتُ الحقولِ
وصوتُ المطرْ،
فها أنت ترسم لي طريقًا من الجمر أمشي عليه وحدي.. طريق الله كان يجمعنا ومقامات أوليائه كانت الملجأ والمفر .. فإلى أين؟! الى أين يا أيُّها المغترب .. تطوف بين الأماسي والصبح منسكب دمعة شاردة.

كنتَ وحدك ترسم لي طريقًا من الفرح أمشي عليه بقلبي؛
فأفتح بابًا للعاشقين وأغلق كل دُرُوبِ الجوى..
فماذا بعدك؟.
كل المواعيد ما بيننا هانت عليك، وكل نداءات العاشقين ذهبت أدراج الرياح..

تركتها خلفك وهرولت وحدك نحو موعدك الأخير ..
لم يكن ذلك هو ما اتفقنا .. كنا نفكر معًا ونقرأ معًا ونجوب كل دروب العاشقين سويًّا..

مدد .. مدد .. مدد..
هو المدد إذن؛ ذلك المجهول الذي هرولت خلفة تشتهيه وحدك، وتعرف لذَّتَه وقيمتَه وحدَك، وترتشف منه جرعتك الأخيرة وحدك.. فهل صادفوك هناك كيف استقبلوك يا صديقي، وأنت تهرول فاتحًا ذراعيك لهم.

أذكر في زيارتنا الأخيرة لساحة سيدي أبو الحسن الشاذلي،
طلبت مني الصعود وحدي إلى حيث كان يصعد الشيخ .. خانك القلب الذي طالما هم بالصعود مرارًا .. قُلت لي: لقد ضعفت عضلة القلب؛ لكنها مازالت تعرف طريق الحب وتسلك طريق العاشقين، قبلت وجنتيك وقلت لك سأدعو لك هناك في حميثرة وسترى، وضحكنا ..

وفي مقام السيد البدوي بكينا كما لم نبكِ من قبل ..
قلت لي أذكر .. سينصرك الله نصرًا عزيزًا.. وانصرفنا..

الآن وحدك تهرول إليهم وتتركني،
فالله الله يا عم صلاح، الله الله يا عم صلاح، سلم على العاشقين هناك وانقل لهم رسالة بدمي؛ قل لهم اني في شوق للقاء، وذبت، وادعو لي هناك فأنت الآن الرسول المقرب، وأنا المريد الذي ينتظر.

عم محمد:
عشرون عامًا أو يزيد، لم يتركني فيها سوى عامٍ واحد؛ كان قد غضب من تصرّفٍ لأحد العاملين معي وتركني وذهب، لكنه لم يستطع أن يعمل لدى أحد غيري، سرعان ما عاد وأخذني في حضنه كعادته، وقال لي: «من يعمل لديك يعزّ عليه نفسه أن يعمل لدى أيّ شخصٍ آخر مهما علا شأنه».

بمبوطي من الإسكندرية، يتحدّث اليونانية بطلاقة، ويطهو كما أحسن طهاة العالم، في العام الماضي جاءني يبكي صارخًا: «ابني البِكر حرارته مرتفعة جدًّا وأدخلوه المستشفى».

ذهبتُ مهرولًا الى هناك، كانت طائرتي بعد ساعات وكنت ذاهبا الى مؤتمر مهم في ميونخ، جلست معه في المستشفى حتى الصباح لكن الشاب لفظ أنفاسه الأخيرة، من يومها تبدّل عم محمد؛ لم يعد كما كان، فارقته الضحكة بعدما كان يضحك على أقلّ الأشياء حتى تدمع عيناه.

«الحياة قصيرة يا باشا، يقول لي ويضيف : اتجوّزت أربعة، أم علاء آخرهم، اتنين منهم كانوا من الإسكندرية»، أقول له: «يا راجل ده إنت عندك سبعين سنة»، فيرد: «لأ، عندي تسعة وستين يا باشا، والحياة مش هنعيشها مرتين».

لم يعد عم محمد كما كان، بعدما ودّع ابنه البِكر علاء، واستبقى (حفيدته) ذات الثلاث سنوات معه، وترك أمّها لتتزوّج. كان يدرك أنّ الحياة لا بدّ أن تسير، وأن هذه الفتاة هي لحمه، وعندما هاجم المرضُ اللعين زوجته أم علاء، كان يقضي وقتًا أطول في منزله يعتني بها، وكان يقول لي: «خايف تموت قبل ما أجيبلها أوضة تمليك عشان الأوضة اللي مأجّرينها سقفها هيقع».

وعندما منحته ما يكفي لشرائها وسألته بعد شهور: أخبار الأوضة إيه،
اشتريتها؟ قال لي وهو يضحك: علاج أم علاء أهم إحنا كبرنا، وهي خدمتني كتير وأفنت شبابها معايا، لازم ترتاح في آخر أيامها.

ضحكتُ وقلتُ له: يعني باختصار ضيّعت القرشين؟
قال لي: فِداها يا باشا، دي أم علاء (العِشق).

في الآونة الأخيرة ذبل عم محمد ولم يعد كما كان؛
حيله اتهد بعد ما راح ابنه ومرضت حبيبته. لم يعد يضحك كالعادة، وأكثر المرّات ينسى ما أطلبه منه ويسرح كثيرًا.

وفي إحدى سفرياتي لباريس، جاءني صوت طارق مدير مكتبي بالقاهرة متقطّعًا عبر الهاتف ليخبرني أنّ عم محمد مريض. سألته: «أنفلونزا تاني؟ هو مش هيبطل سجاير؟» لكن طارق صمت برهة وفاجأني: «لأ، ده المرض اللعين، بعيد عنك».

قلت له: العلاج على نفقتي في أفضل الأماكن يا طارق،
واللي هيقصّر معاه أو مع مراته إنت عارف هزعل جدًّا.

وكلّفتُ زميلًا لي يتولّى متابعة وزارة الصحة بمتابعة الحالة أوّلًا بأوّل
مع المستشفى والطبيب المعالج.

وفي المرّة الأخيرة التي حادثته فيها على الهاتف مازحته قائلًا:
«يا راجل يا عجوز، عارف إن لم تخف قبل أن أصل الى القاهرة هدور على حدّ غيرك يطبخ لي أحسن منك، أنا مش ناقصك».

ضحك عم محمد وقال لي:
«عارف، بتقول ده من ورا قلبك، مش هتقدر تستغنى عنّي ولا عن أكلي». وضحكتُ وانتهت المكالمة، وانشغلتُ حتى جاء صوت طارق مرّة أخرى ليقول لي: البقية في حياتك، عمّي محمد مات.

مات عمّي محمد،
وتركني وترك حبيبته أم علاء.. عاد كما كان طفلا يشاركني كسرة الخبز لكنه لا يشاركني المرارة.

باريس: الخامسةُ مساءً بتوقيتِ القاهرة.

المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى